الرئيسية - للبحث

 

الرأسمالية على طريق الانهدام!!..

بقلم: حمد طبيب

لقد تناقلت وسائل الإعلام  بشتى أصنافها ما جرى يوم 15/10/2011 من مظاهرات واحتجاجات شديدة ضد أصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات المالية والبورصات، وضد النظام الرأسمالي بمجمله الذي جلب عليهم الفقر والبطالة والهزّات المالية والتفاوت الطبقي الكبير .. والحقيقة أن هذا الحدث الكبير يستحق الوقوف والنظر ووضع الأمور في نصابها الصحيح من حيث دوافع هذه الاحتجاجات وأسبابها ونتائجها المستقبلية ..

 

إن الناظر في كيفية نشوء النظام الرأسمالي وتشكله يرى انه كان سقيماً في أساسه وفي طريقة معالجاته من أول يوم؛ حيث كان أساسه ردّة فعل غرائزية على الظلم، ثم كان حلاً غير مبنيٍّ على العقل عندما توصل المفكرون ورجال الدين إلى الحلّ الوسط في بناء النظام الجديد، (فالحلّ الوسط) ليس حلاً مبنياً على عقل سليم، لأنه توسط بين أمرين متناقضين متنافرين متباعدين!!..

 

لقد كان من أبرز هذه النظم النظام الاقتصادي الذي يهدف إلى تكثير رأس المال في المجتمع بأية وسيلة دون انضباطٍ بأخلاق ولا قيم، وفي نفس الوقت ينظر إلى توزيع الثروة في المجتمع عن طريق أداةٍ وحيدة هي (جهاز الثمن) .. وهذا الأمر ولّد أموراً كثيرة في المجتمع جلبت الدمار والخراب في داخل المجتمعات الرأسمالية وخارجها. حيث كانت الشركات العملاقة والبنوك التي تنهب ثروات الناس تحت عنوان حرية التملك وتنميه والانتفاع بالملك، وكان التفاوت الطبقي الكبير نتيجة سيطرة الأغنياء على الثروات فأصبح نسبة 1-2% في المجتمعات الرأسمالية يسيطرون على أكثر من 98 % من ثروة المجتمع، و 2% من الطبقة الباقية من الثروات توزّع على 98% من باقي الشعب، أما في سياسة الدول الخارجية فكان الاستعمار وكانت الحروب، وكان مص دماء الشعوب الضعيفة، وانتشرت فوق ذلك الجرائم والأمراض الفتاكة كالإيدز نتيجة ارتباط عقول الناس بالمنافع والأموال وعدم ارتباطهم بالقيم والأخلاق، فأصبح مرض الإيدز ينتشر بالملايين في مجتمعات الغرب، وأصبحت الجريمة تقاس بالثانية الواحدة في أرقى عواصم الغرب في نيويورك وغيرها ..

 

لذلك نشأت المشاكل والأزمات في النظام الرأسمالي منذ نشأته وتكوّنه، وصارت تكبر وتزداد مع امتداد هذا النظام وتوسّعه، فكان من مظاهر هذه الأزمات -في أوائل النشوء في القرن التاسع عشر- أزمة الأجور وساعات العمل في أمريكا حيث استمرت إضرابات العمال فترةً طويلة حتى توصّلوا بعدها إلى حلّ وسط في تحديد الأجور وساعات العمل .. وكان بعد ذلك أزمة الكساد العظيم في بدايات القرن العشرين سنة 29، وكانت أزمة الحروب الطاحنة للسيطرة على الأسواق ورؤوس الأموال فكانت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية التي حصدت أكثر من 20 مليون إنسان، ثم كانت أزمات الصراع الدولي الساخن والبارد بين الدول العظمى، وتسابق التسلح من أجل الردع وإنفاق المليارات على ذلك، وتخلّل هذه المرحلة الاستعمارُ العسكريّ لكثير من بلاد العالم من أجل رؤوس الأموال، ثم حصلت الأزمة الحالية في بدايات القرن الواحد والعشرين حيث بدأت بأزمة الرهن العقاري، وامتدت كالنار في الهشيم حيث جلبت على العالم الدمار الاقتصادي وخسارات تقدر بأكثر من 60 تريليون دولار حتى سنة 2011 ، عدا عن انهيارات في مؤسسات مالية كبيرة، وازدياد عدد الفقراء وازدياد عدد المهددين بالموت جوعاً، وما زالت الأزمة تضرب هنا وهناك وتنفلت نارها هنا وهناك، ويحاول قادة الغرب إطفاءها والسيطرة عليها لكن دون جدوى!! ..

 

إن امتداد هذه الأحداث -الحاصلة اليوم على شكل مظاهرات واحتجاجات- تعود جذوره إلى بداية نشوء الرأسمالية، وإلى طبيعة نظامها السقيم، وليست مجرّد احتجاج على ناحية واحدة فقط، وقد ظهر هذا الأمر في كثير من كلام المحتجّين، والحقيقة أن الاحتجاجات ليست الأولى ضد النظام الرأسمالي ومظاهره في الحياة العملية، ولكنها الأولى بهذا الزخم وبهذه الطريقة في الاحتجاج في رفض النظام الرأسمالي من أساسه؛ فقد كانت تجري احتجاجات سابقاً في مناسبات عديدة وخاصة عندما تنعقد القمم للدول العشرين أو الدول الثماني أو قمة دافوس، فكانت تقوم على المناداة لمحاربة البطالة وتحسين الأوضاع والعمل على علاج مسألة النقد العالمي، والمناداة لمحاربة المجاعات والفقر، أما هذه المرة فكانت مميزة في أنها ضد النظام الرأسمالي ابتداءً!!.

فهذه الأحداث في أوروبا وأمريكا لم تأت من ردة فعل أيام أو أشهر إنما هي امتدادٌ لسنوات طويلة من رؤية الفساد ومعايشته، وامتدادٌ للمعاناة الطويلة والفساد، وهي تنظر إلى الخلاص؛ لذلك كان التعبير صريحاً بالانعتاق من الرأسمالية، والأمر ربما لا يبعد كثيراً عمّا جرى في الاتحاد السوفيتي السابق وانحلال منظومته، وانحلال حلف وارسو ولكن بطريقة مختلفة قليلاً من حيث أن الثورة قد ظهرت مرةً واحدة في روسيا بعد أن وصل الأمر إلى حدّ الانفجار .. فكانت النتيجة أن انهار النظام الاشتراكي نهائياً، وذهب إلى غير رجعة، وتحول كثيرٌ من دوله إلى النظام الرأسمالي، وانضموا إلى منظوماته السياسية كما جرى في دول البلطيق عندما انضمت إلى الاتحاد الأوروبي .. فهل تملك الدول الرأسمالية حلولاً شافية لهذه المشاكل، فتخمدَ هذه النيران المشتعلة؟؟، والحقيقة أن المبدأ الرأسمالي لا يملك أي حلٍّ لمثل هذه الأمور، وليس عنده أيُّ أحكامٍ تتعلق بمعالجة الأزمات الاقتصادية سوى التخلي عن مزيد من مبادئه وأفكاره، وبعبارة مختصرة ( المبدأ الرأسمالي مبدأ عقيم ) لا يستطيع معالجة الأزمات .

 

فعندما اشتعلت أزمة الكساد الكبير سنة 1929 كان الحلّ الأمريكي لهذه الأزمة هو تصديرها إلى الخارج عن طريق إيجاد المبرّرات للاشتراك ودخول العالمية الثانية، وتحاول أمريكا عن طريق سياسة التحكّم النقدي وهيمنة الدولار تحميل العالم أعباء الأزمة الأخيرة وتصديرها لإخماد نارها ولكن دون جدوى لأن حجم الأزمة كبير، والعالم كله يعاني من تبعاتها وآثارها المدمرة، ..

ومحصلة الأمر أن حجم الأزمة وامتدادها العالمي لا يمكن معالجته في ظلّ الأوضاع الدولية الحالية، وإنما سوف يزداد الأمر اتساعاً يوماً بعد يوم حتى يقف العالم أمام الحقيقة وهي: (حتمية التخلي عن هذا النظام)!! ..

والسؤال الذي يرد هنا هو ما هو مستقبل أمريكا وأوروبا بعد سنوات؟؟  فمن يتابع الأحداث فإنه يدرك يقيناً أن مستقبل أمريكا وكذلك أوروبا هو التخلّي عن كثير من أفكار النظام الرأسمالي كلما اشتدت الأزمات والأحداث في داخلها، وبالتالي التخلّي شيئا فشيئا عن النظام الرأسمالي المالي برمته!!..

 

ففي المستقبل القريب ستجد الدول الرأسمالية نفسها في مواجهة الجماهير الصاخبة المطالبة بالعدالة في الانتفاع من الأموال والثروات، وسيجد الرأسماليون الكبار أنفسهم وجهاً لوجه مع هذه الجموع الثائرة المتزايدة في كل يوم، وهذا بالتالي سيؤدي حتماً إلى موضوع آخر وهو إحجام المواطنين عن دفع الضرائب للدولة، وذلك بسبب عدم الثقة بينهم وبين الدولة، وهناك أمر ثالث أخطر من هذا وذاك ربما يحصل في الولايات المتحدة بالتحديد- وقد بدت بعض مظاهره تطفو على السطح في ظل الأزمة الأخيرة_ وهو: مطالبة الولايات الغنية بالانفصال عن الولايات الفقيرة بسبب عمق الأزمة، واتساع دائرة الاحتجاجات ضد الدولة؛ وهذا معناه تفكّك منظومة الولايات المتحدة تماماً كما حصل مع الاتحاد السوفيتي السابق، ومن ثم التخلي نهائياً عن هذا المبدأ!! .

 

وما سيحصل في أمريكا سيحصل في أوروبا ولكن بطريقة أخرى؛ ألا وهي انتهاء عقد الاتحاد الأوروبي عندما تجد الشعوب نفسها تتحمل أوزار الدول المتعثرة- مثل اليونان_ فوق تحمّلها لعثرات الرأسماليين داخل حدودها، وبالتالي فإن منظومة اليورو لن تصمد طويلاً ولن يبقى عند ألمانيا وفرنسا وهولندا النفس الطويل في مواجهة شعوبها الثائرة بسبب تحمّلها لأعباء الدول المتعثرة، -حيث بدأت بوادر هذا الأمر تظهر في ظل الأزمة الأخيرة في الاتحاد الأوروبي- وهذا سيكون ضربةً للاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تفككه وانهياره ..

 

إلا أن الخطر الكبير على العالم سيكون في انهيار أمريكا وتفككها؛ لأن أمريكا هي رأس العالم  ورأس الغرب اقتصادياً ومبدئياً، وأيُّ انهيارٍ يحصل فيها سيكون بمثابة البركان أو الزلزال الذي يهزّ الكرة الأرضية برمتها، وسيضع العالم أجمع أمام الحقيقة وهي البحث عن مخلّصٍ مبدئيٍّ جديد يخلص العالم من هذا الدمار والخراب والشرّ المستطير ..

وفي هذا مبشرٌ عظيم- بإذنه تعالى-  لأمة الإسلام في عودتها وعودة مبدئها لينقذ البشرية مرةً أخرى مما هي فيه من دمارٍ وضياع..

نسأله تعالى أن يسبق هذا الحدث أو يتزامن معه قيامُ دولة الإسلام التي تحمل مشعل الهداية لهذه البشرية التائهة .

 

 

23-10-2011