الرئيسية - للبحث

 

متى تعود للشام ومصر مكانتهما؟!..

بقلم: حمد طبيب

إن من يدرس التاريخ الإسلامي عبر عصوره المتعددة، والممتدة عبر خمسة عشر قرناً من الزمان، يرى أن مصر والشام قد تميّزت عن العالم الإسلامي بأعمالٍ حميدةٍ كان لها أثر عظيم على أمة الإسلام؛ ومن هذه الأعمال استعادة عزّة المسلمين المسلوبة بعدما حصل من غزو صليبي وإذلالٍ للمسلمين ما يقارب مائتي عام متواصلة؛ فجاء القائد العظيم (نور الدين آل زنكي) ووحد هذين البلدين العظيمين، ثم أخذت عينيه ترنو إلى تطهير كامل التراب الإسلامي من اغتصاب الصليبيين وخاصة درّة بلاد المسلمين في بيت المقدس، إلا أن إرادة الله عز وجل شاءت أن يموت ويقبض قبل أن يحقق هذا الأمل العظيم والشرف الرفيع، فجاء قائده المغوار المظفر السلطان (يوسف بن أيوب صلاح الدين) فحمل الأمانة الثقيلة، وأكمل هذه الرسالة العظيمة، وحقق أمل المسلمين وأمل قائده نور الدين زنكي، فحرّر القدس ومعظم أرض بيت المقدس من اغتصاب الصليبيين!!. .

والحقيقة أن تحرير كامل أرض المسلمين لم يكتمل في عهد الأيوبيين، خاصة أن الصليبيين قد عاودوا الكرة مرة أخرى واغتصبوا القدس في الحملة الصليبية الخامسة، فجاء المماليك من أرض الكنانة والشام بعد توحيدهما فحرّروا كامل أرض المسلمين في الشام وبيت المقدس من دنس الصليبيين ..ثم كان لمصر والشام فضلٌ آخر على أمة الإسلام عندما جاء المغول (التتار)، واغتصبوا بلاد المسلمين ابتداء من بغداد ومروراً بالشام حتى بيت المقدس، فجاء المماليك من أرض الكنانة يحملون رايات العزّة والقوة والمنعة، فحرروا بلاد الشام من هؤلاء المعتدين حتى كانت نهاية المطاف في معركة عين جالوت قرب مدينة القدس في سهل بيسان، وانتهى بذلك شرُّ المغول، وحافظ المماليك على الإسلام وعلى بلاد المسلمين وخاصة في منطقتي مصر والشام سنوات طويلة في فترة ضعف الخلافة العباسية في أواخر عهدها....

والناظر إلى مصر والشام يرى أنهما توأمان لا يفترقان كل منهما بوابة للأخرى، وكل منهما غطاءٌ ودرع للآخر، وسندٌ وعون ودعم اقتصادي وسياسي وعسكري طوال التاريخ على مر العصور العريضة؛ فالشام كانت بوابة الفتح إلى أرض مصر عندما جاءت الجيوش الإسلامية من الحجاز، وعبرت من الشام إلى مصر عن طريق بيت المقدس بقيادة القائد العظيم الصحابي الجليل (عمرو بن العاص) رضي الله عنه، ومصر كانت أيضا منجدة الشام عبر التاريخ الإسلامي الطويل بالمال والرجال، وحتى في العصر الحديث لم يستطع الحكام الظلمة أن يلغوا هذه الميزة والصفة السامية التي تجمع الشعبين المسلمين، وذلك في كل الحروب التي حصلت في المنطقة المحاذية لما يسمى بكيان يهود؛ ابتداءً من سنة ثمان وأربعين وانتهاء بحرب ثلاثٍ وسبعين!!..

لقد ظل هذان البلدان بلدا واحدا وشعبا إسلاميا واحدا طوال التاريخ حتى في أحلك الظروف؛ وظلّ كل منهما سنداً ودرعاً للآخر حتى في أصعب الظروف والأحوال، وعاشا فتراتٍ من العزّ والمنعة في ظلّ حكام المسلمين الأبرار الأتقياء وخاصةً في عهد المماليك والأيوبيين..

 وقد ظل الأزهر والجامع الأموي يشعّان بنورهما حتى بعد هدم الدولة الإسلامية بسنوات طويلة، وظلاّ منبت العلماء الأفذاذ المخلصين .

إن هذه الميزة العظيمة والمكانة السامية لأهل مصر والشام نابعة من دعاء الرسول عليه السلام لأهل الشام ولأهل مصر بالبركة والخير ومدحهم، قال عليه السلام: (سَيصيرُ الأَمرُ إلى أَنْ تكونوا جنُوداً مُجندةً جُندٌ بالشام وجُند باليمن وجُندٌ بالعراق) قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسولَ الله إن أدركتُ ذلك، فقال: (عليك بالشام فَإنـَّها خِيرةُ اللهِ من أرضِهِ، يجتبي إليها خِيرتَهُ من عبادِهِ فأَمّا إن أَبيتُم فعليكم بيمنكم، واسُْقوا من غُدرِكم؛ فَإنَّ اللهَ تَوكَّلَ لي بالشامِ وأهلهِ)،   وقال: (إذا فَسَدَ أهلُ الشامِ، فلا خيرَ فيكم، لا تزالُ طائفةٌ من أمتي منصورين لا يضُّرهم من خَذَلهم حتى تقومَ الساعة).الترمذي( سلسلة الصحاح/ الألباني)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسـي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعـته بصري، فعمد به إلى الشـام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام". الحاكم( الألباني/ صحيحة)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(طُوبَى لِلشَّامِ .فَقُلْنَا: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا ) احمد- ( الألباني)

وقال عليه السلام يمدح أهل الكنانة:: (إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما) رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر، وروى الطبراني والحاكم عن كعب بن مالك مرفوعا: (إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما)،  (صححه الألباني). وهذا رواه الطحاوي في بيان مشكل الآثار بزيادة: يعني أن أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم كانت منهم. وقال  عليه السلام: (إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد. فقال أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة). أخرجه ابن عساكر / تاريخ دمشق.

لقد حاول دعاة القومية من عملاء الحكام أن يفرّقوا شعب مصر والشام عن بعضهما سنوات عديدة، لكن كلّ محاولاتهم باءت بالفشل الذريع بفضل الله وعونه، وحاولوا القضاء على الإسلام من نفوس الناس وزرع القومية العفنة إلا أنهم خسروا خسرانا مبينا رغم حملات السجن والقتل والإرهاب التي مارسها العملاء من حكام هذين البلدين..

لقد جاءت هذه الثورات والانتفاضات المباركة لتوحّد الدعوة في أرض الشام وأرض الكنانة وذلك بالمناداة للقضاء على عملاء أمريكا ويهود من حكام مصر وسوريا، والمناداة بتطبيق الإسلام في ظلّ دولة الإسلام وحكم الإسلام، وقد حاول العملاء تضليل الناس عن الهدف السامي العالي، وذلك عن طريق بعض المضلّلين في كلا البلدين وذلك بالترديد أمام البعض من الببغاوات الناعقين خلف الاستعمار وعملائه الحكام: نريد دولة مدنية..أو نريد حماية دولية، أو نريد المحافظة على اتفاقات كامب ديفد والقوانين الدولية!!..

لكن صوت الشعب الواحد في مصر والشام يقول غير هذا، يقول: نريد تطبيق الشريعة الإسلامية.. نريد دولة إسلامية..

إن الأيام القادمة ستعيد سيرة العزة، وستعيد المكانة العظيمة لهذين البلدين العظيمين ولأهلهما الأبرار الأخيار، وذلك عندما تنقلب الموازين فوق رؤوس الحكام في أيِّ بلد من البلدين، مصر أو الشام لصالح حكم الإسلام ومساندة المخلصين من أبناء هذه الأمة الكريمة، ثم سرعان ما يمتدُّ هذا الخير بسرعة الريح إلى البلد الآخر لينقلب أهله المؤمنون على قوانين الظلم والكفر والتبعيّه والعمالة، فتتوحّد مصر والشام مرة أخرى، وتصبح بلداً واحدا وشعباً واحدا يُحكم بالإسلام، ويرفع راية الجهاد ليقوم بأول مكرمة ربانية عظيمة؛ وهي تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك تماماً كما حرّرها صلاح الدين وقطز، ثم تندفع الجيوش إلى بلاد المسلمين بعد هذه المكرمة الربانية العظيمة التي تخيّر الله بها الأبرار من عباده،  تماما كما فعل قادة المماليك الأبرار بعد تحرير بيت المقدس من دنس المغول، ثم عملوا على تحرير كل بلاد المسلمين من بقايا الصليب والإشراك..

إننا نخاطب المخلصين من أهل مصر والشام خاصةً وعامة  فنقول لهم: (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)، فإنكم مفتاح الخير في هذه الأمة الكريمة غداً قريبا رغم كل ما يحصل وما حصل في بلادكم الطيبة الطاهرة.. وستُرفع بإذنه تعالى راية الحق وراية الفتح وراية الوحدة لأمة الإسلام من قلب بلادكم الظاهرة الطاهرة بإذن الله.

15-9-2011