الرئيسية - للبحث

 

السلطة الهشة تستعطي العشائرية بيان تأييد !

الدكتور ماهر الجعبري

يدرك المتابع لواقع السلطة الفلسطينية أنها تعيش مرحلة ترقّب ويدها تتحسس رأسها صباح مساء، بل ومن شدة تخوف قياداتها على مكتسبات كعكتها المسمومة صاروا يحسبون كل صيحة عليهم، حتى ولو كانت همسة من رجالات عشائر لا شأن لهم بالسياسة، ولذلك لم يعد غريبا أن تستنهض السلطة الفلسطينية رجالات يدورون في أفلاكها ويعيشون في أفيائها، لتجديد الولاء والتأييد في الأوساط السياسية والعشائرية، وخصوصا حين يتملّكها هاجس "القيادات البديلة"، وهذه حال سلطوية ملموسة مشهودة في فلسطين، وفي كل كيان آيل للسقوط، كما حصل مع القذافي عندما استنجد بالعشائر التي تركته يهوي ويترنّح. ويعرض هذا المقال شاهدا واقعيا عليها.

إذ نشرت وكالة معا خبرا مفاده، أن "عائلة الجعبري تؤكد مؤازرة ومساندة الرئيس والقيادة الفلسطينية"، "في توجهها نحو الأمم المتحدة للحصول على تأييد لإعلان الدول الفلسطينية". وبالطبع لا يُفهم هذا الخبر إلا في سياق رد على طلب سلطوي، أو على بعض من يصدر بيانات لخدمة السلطة: إذ ليس ثمة من مناسبة عشائرية خاصة لتحديد موقف سياسي، ولم تعقد عائلة الجعبري اجتماعا عاما لتستجلي فيه موقفها من السلطة ومن مشروعها ومن قياداتها. وبالطبع وجد "طلب السلطة أو طلب من خوّلته" آذانا صاغية لدى بعض الأفراد، ولكنه بكل تأكيد لا يمكن أن يعبّر عن موقف عائلة تنشّقت عبير فلسطين قبل السلطة بقرون.

ومن ثم تعامى الإعلام السخيف عن الحقائق، وعامل العشيرة –بسطحية إعلام الحارات- معاملة الحزب السياسي، وقَبِل رأي أفراد من العشيرة –لم يفوّضهم أحد- على أنه رأي العشيرة!! وهو سخف مفضوح خصوصا بعدما ولّى زمن التبعية، واستنارت الناس وأدركت الفرق بين الالتفاف حول الأفكار وبين التحلّق حول الرجال.

قبلت وكالة معا أن تمد يدها لرئيس السلطة الفلسطينية المتعثر في حفرة بعد حفرة، وهي التي ما فتئت تحاول –كما العديد من وسائل الإعلام المنافحة عن السلطة- أن توجّه أشرعة السلطة نحو أمان قياداتها، وأصرت على نشر الحقائق المزيّفة، لترضي سلطة ملأت الشقوق قاربها الذي تتلاطمه أمواج الشرق والغرب، وهي تبحث عن قشة الغريق، وخصوصا بعدما افتضح أمرها بعد المشورة القانونية من الخبير الدولي الذي أكد أن توجهها نحو الأمم المتحدة هو عمل فاشل يضيّع الحقوق، وكأنها تريد اليوم تعويض ذلك التثبيط القانوني بتشجيع عشائري؟!!

قبلت وكالة معا منطق التسطيح السلطوي للأمور، وتناست أن أهل فلسطين في الداخل والخارج –وما عائلة الجعبري إلا واحدة من مكوناتهم- لن يقبلوا أن تمّكن أيدي الدول الاستعمارية من التلاعب بالقضية من جديد، وهي الأيدي الآثمة التي أنشأت كيان الاحتلال الغاصب، وأعطته الشرعية الدولية الطاغوتية من خلال مؤسسات جائرة ومتآمرة مثل الأمم المتحدة.

لقد تعاملتُ مع الخبر المغلوط بهدوء، فأعطيت وكالة معا، فرصة استدراك ورطتها الإعلامية وكتبت لمراسلها في الخليل مبيّنا أن موقف عائلة الجعبري السياسي ليس ملكا لأحد، وأعلنت رفضي البيان المنسوب للعائلة، مؤكدا أن الإطار العشائري لا يمكن أن يُسخر لأغراض سياسية لخدمة السلطة، وأن العائلة في مسيرتها الطويلة لم تكن يوما ذات صبغة سياسية واحدة، ولا يمكن حشرها ضمن إطار سلطوي، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه يمثل موقف العائلة السياسي. وأوضحت أن هنالك مجموعة كبيرة من العائلة هم ضد المسيرة التفاوضية، وهم يستنيرون بسلفهم من علماء العائلة الربانيين من أمثال الشيخ برهان الدين الجعبري، ويسيرون على خطاهم، ومع ذلك لم يعلنوا يوما أن ذلك الموقف السياسي الرافض يمثل توجهات موحدة للعائلة، وأكّدت أنني أُكبر موقف وجهاء العائلة في أعمالهم الإصلاحية والعشائرية ودورهم العام في فض النزاعات في الخليل وفلسطين، وفي الوقت نفسه أدعوهم لتفهم الواقع السياسي، وعدم حشر العائلة ضمن المسيرة السلطوية.

لم يردّ مراسل معا، ولم تنشر معا التوضيح، ولكن حصلت "متابعات من جهات غير إعلامية"، كشفت أن وكالة معا، التي لم تتكرم بنشر التوضيح على صفحتها، تكرمت (!) بنشره إلى "جهات أخرى" !!!

في الحقيقة، لم أكن أرغب بكشف هذا الاختراق المفضوح، وذلك الخبر "السطحي" لو استدركت وكالة معا ثغرتها الإعلامية، ونشرت توضيح الموقف، وهو حق عليها وليس منة منها. إذ بيّنت في مخاطبتي لها أنني لا أرغب في تعميم الموضوع على غيرها من وسائل الإعلام، وذكّرتها بأني توقفت عن إرسال مقالاتي للنشر عندها منذ أشهر.

ولذلك اتصلت برئيس تحرير الوكالة لإعطاء الوكالة فرصة أخرى، ولم يكن بيني وبينه أي اتصال هاتفي منذ استضافني في برنامجه "بدون لف ودوران" على فضائية فلسطين قبل أكثر من عام. وذكرت له ما وردني من اتصال من "جهات أخرى!" بعد رسالتي الموجهة حصريا للوكالة. ولا أنكر أن الرجل، الذي أحترم، استغرب أن تنشر وكالته "مثل هذه الأمور"، إذ لا شك أنه يدرك معنى مهنية الإعلام، وسخف "إعلام الحارات". ومن ثم وعد بالمتابعة والاتصال الفوري مع المراسل.

ولكن شيئا لم يتغير: لا الخبر المغلوط سُحب، ولا التوضيح نُشر، ولا رجعت الوكالة باتصال اعتذار عن "تسرّب" معلوماتي "لجهات أخرى!"، فأرسلت لرئيس التحرير رسالة ألكترونية بيّنت فيها أنني أنتظر متابعته حتى مساء إعداد هذا المقال.

وهنا أستحضر حديثا مؤثرا سمعته من رئيس تحرير وكالة معا عندما زرته لتسجيل اللقاء المذكور، حيث تحدث بعفوية إنسانية عن أهمية صورة الأب عند أبنائه، وبيّن أن بعض النقد الجارح الذي يوجه من قبل بعض الجهات التي تنشر قبل أن تحقق يسيء لصورة الأب عند أبنائه، ولا شك أنه محق في إبقاء صورته مشرقة أمام أبنائه، وكل فتاة بأبيها معجبة، بل وأزيد من الشعر بيتا فأوجه رسالة إعجاب لأبنائه، بأن لهم أبا ذا ملكة إعلامية مميزة.

ومع ذلك أقول: لكم أبناء ولنا أجداد !

لا يمكن لوكالة معا، أن تضع أصابعها في آذانها وتستغشي ثيابها عندما نتصل بها من أجل أن لا تتلطخ مسيرة عائلة عريقة بمسيرة سلطة غارقة. وإن ما لا يحبه رئيس تحرير وكالة معا من إساءة لأبنائه لا نحبه لأجدادنا الغائرين في تاريخ فلسطين منذ قرون طويلة، ولا لأحفادنا القادمين في مستقبل تكون القدس فيه حاضرة خلافة على منهاج النبوة.

وهذه السلطة هي حالة عرضية تمر على فلسطين في لحظة مظلمة من تاريخها الطويل، وستنمحي نهائيا غدا أو بعد غد، ليعود لفلسطين إشراقها ويعود للأرض عبقها، وتعود للعائلات أصالتها، ويعود للإعلاميين "شرفهم"، عندها ستنظر الناس إلى هذه الفترة المظلمة كما ننظر إلى ملوك الطوائف في الأندلس، وإلى الإعلاميين المنافحين عن الحكام وإلى بيانات التأييد والتقديس كما ننظر لمن استعطوا الأمراء بأشعارهم.

وليس ثمة من شك أن القيادات السلطوية تدرك أن أمريكا –ومعها الغرب كلّه- لا تأبه بمن يخدمها ويعمل لتحقيق مصالحها إذا ما انتهت صلاحيته، وتلاحظ تلك القيادات كيف تخلت أمريكا وأوروبا عن سماسرتها وعملائها في الأنظمة العربية الحقيقية، فكيف الحال في سلطة هشة لا تشدها في جانب حتى تتفلت من الجانب الآخر.

فلتكف السلطة الآيلة للسقوط عن استعطاء العشائر مواقف كاذبة، وليكف الإعلام عن تقديم خدمات سلطوية تشوه الحقائق.

14/09/2011