الرئيسية - للبحث

 

خير الأعمال في رمضان

بقلم: حمد طبيب

لقد طغى مفهوم فصل الدين عن الحياة –الذي غزا بلاد المسلمين من النظام الرأسمالي الكافر– على كثير من عقول المسلمين، فأصبح يُنظر إلى التدين على أنّه أداء للصلاة على وقتها في المسجد، وصوم لرمضان، وإخراج لقليل من مال الزكاة، وحجّ للبيت حال بلوغ الاستطاعة، فإن أدى هؤلاء ممن طغى عليهم هذا الفهم، ظنّوا أنهم قد ختموا واجبات الإسلام، وزادوا قليلاً من القُربات لله تعالى بالنوافل والمندوبات، كصلاة التراويح، أو أداء العمرة، أو ما شاكل ذلك من نوافل!!..

فأصبح المرء يسمع من بعض هؤلاء الناس مقولات يردّدونها خلف أبواق النظم الحاكمة وأجهزتها ومشايخها، ودوائر أوقافها، فيقولون: لا سياسة في الدين ، ولا دين في السياسة، وأنّه يجب طاعة أولياء الأمور من الحكام استجابةً لقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ..... "59/ النساء، وغيرها من مثل هذه المقولات المضللة..

والصحيح أنّ بعد الناس عن الحياة الإسلامية الحقيقية، التي يُطبق فيها الإسلام العملي في الدولة في كافة شئون الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نفس الوقت وجود هؤلاء الأفاكين- من أبواق النظام- قد جعل هؤلاء الناس على هذا الحال من التضليل.

وحتى نقف على تصحيح هذا الفهم الخاطئ، ونعرف خير الأعمال وأنفعها لأمة الإسلام، وأكثرها ثواباً، ونعرف أيضاً أكبر الآثام وأعظمها جرماً في ميزان الإسلام، لا بد أن نقف على بعض الأمور منها:-

1-      الإسلام مبدأ سماويٌّ أنزله الله تبارك وتعالى ليكون خاتم الرسالات، وهداية للناس جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وليس له أي صلة بالمبدأ الرأسمالي الكافر، ولا يجوز لنا أن نأخذ منه نحن المسلمون أي فكر أو رأي يتعلق بالناحية المبدئية، فالإسلام دين كامل متكامل، (عقيدةٌ ينبثق عنها نظام شامل لكل شئون الحياة الإنسانية في كافة المجالات)، وهو يُصلح لكل زمان ومكان بفضل قواعده الشرعية، وأحكامه العريضة الواسعة، وأصوله الدقيقة الشاملة، التي يندرج تحتها الكثير من الأمور الجديدة في شئون الحياة المختلفة!! ..

 وهذا المبدأ (الإسلام) دين ومنه الدولة، ولا يفصل أبداً أحكام الآخرة في المعتقدات عن أحكام الدنيا في كافة العبادات المعاملات والعلاقات الإنسانية، وهذا بعكس النظام الرأسمالي الذي فصل الإنسان عن خالقه جلّ جلاله، وأنكر شمولية الاحتياج إليه في كل أمر من شئون الإنسان، (فالدين في الكنيسة ولا دخل له بباقي شئون الإنسان)، وجعل الحقّ يتجزأ في وسط الطريق بين طرفين، وهو الحل الوسط، وجاء بمعالجات للإنسان من عقولٍ بشريةٍ قاصرة عاجزة محتاجة، لا تحسن حتى وضع نظامٍ لنفسها، فكيف بها تضعه لكافة البشر؟!

 

2-      العبادة في الإسلام هي الخضوع والتذلّل المطلق في كل شيء لله تعالى، وليس في شئون العبادات فقط، ورد في الصحاح للجوهري: ( التعبيد: التذلّل، يقال طريق معبد...، والعبادة: الطاعة)، فالعبادة بهذا المعنى هي: (خضوعٌ في أمور العبادات البدنية في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وفي الأمور المالية في الزكاة والخراج والعشور، وهي خضوعٌ كذلك في الأحكام العامة في أمور سياسة الرعية (الحكم)، بإقامة دولةٍ تطبق الإسلام، وترعى المسلمين في ظلّها، وتحمله رسالة خيرٍ وهداية إلى الناس كافة، ولا خير في عبادة تُؤدّى على شاكلة الغرب، وتترك باقي شئون الحياة، وهي إثمٌ وبعدٌ عن تعاليم وأحكام هذا الدين الرباني العظيم، دين الإسلام، فلو صلى المسلم وصام وحجّ ثم قال: "لا دخل للدين في النظام السياسي أو الاجتماعي، ويجوز أن نأخذه من غيرنا، فهذا المسلم إن كان قوله عن جهل فهو آثمٌ إثماً عظيما، وإن كان عن علمٍ ومعرفة فهو كفرٌ وخروجٌ من ربقة الإسلام – ولا خير كذلك في صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ لا تؤثّر في نفسية صاحبها في الأمور الحياتية، فلا تزجره عن التجسس على المسلمين، والعمل في دوائره، أو الذهاب إلى البنك لأخذ الأموال بالربا من أجل الدنيا، ولا تزجره كذلك عن أكل حقّ الأخت في الميراث أو غير ذلك، فمثل هؤلاء ينطبق عليهم حديث المصطفى عليه السلام "رب صائم ليس - له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب " (رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، وينطبق عليه قول الإمام مالك رحمه الله: "رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، ألم تر أنه يقرأ قوله تعالى:" ألا لعنة الله على الظالمين.." وهو منهم، "ألا لعنة الله على الكافرين.."، وهو منهم ؟!

 

3-      هناك أمورٌ عظيمة أغفلها كثيرٌ من المسلمين مثل الصدع بالحق، وعدم الخوف أو الخشية في الله لومة لائم، وذلك استجابةً لقوله تعالى:"أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ" التوبة13، وقوله: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا" الكهف 29، وقوله:" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور"ِ لقمان 17

واستجابة لقوله عليه السلام: "من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس"، رواه الترمذي .

وقوله عليه السلام: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تودع منهم" رواه احمد، وقوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" أخرجه الطبراني، وذكر ابن الجوزي في "مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن الحسن رحمه الله قال: كان بين عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القوم : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر - رضوان الله عليه-: دعه فليقلها لي، نعم ما قال، ثم قال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم".

فكثيرٌ من الناس يظن أنذ هذه الأمور العظيمة ليسوا مكلفين بها، وإنما هي للحكّام أو للعلماء، وغفلوا أنّ الخطاب فيها على العموم وهو على الفرْضية وليس الندب أو الإباحة، وأنّ الإثم فيها هو على العموم في حال التقصير وعدم القيام بواجبها من قبل عموم المسلمين، بل إنهم غفلوا أنّ ثواب قول الحق هو كثواب سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وليس كأي شهيد آخر!!

وغفلوا أنّ التصدّي للظلم والظالمين هو قمة الجهاد، وفيه الأجر العظيم عند الله تعالى، وظنّوا أنهم مكلفون فقط بالعبادات البدنية وبعض العبادات المالية، فإنّ هم أدّوها ضمنوا الفوز بالجنة والنجاة من النار!!.

4-      لقد بدأت الحياة تعود إلى أغلب أبناء الأمة، وبدؤوا بفهم دينهم فهماً صحيحا،ً وليس ذلك فحسب بل بتطبيق ذلك عملياً في وجه الحكام وأعوان الحكام، وأسياد الحكام من الدول الكافرة، وما هذه الدماء الزكية التي تسيل في أرض الشام واليمن وفي ليبيا إلا شاهدٌ حيٌ على عودة هذه الأمة إلى الفهم الصحيح لمفهوم الطاعة والعبادة، وإلى الفهم الصحيح لحقيقة أحكام الدين في الحكم والسلطان، وظلم الحكام بسبب مخالفتهم لدين الإسلام. فقد أعادت البطولات في حماة وحمص وطرابلس سيرة المجاهدين الأوائل مع خالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وأعادت البطولات في أرض اليمن سيرة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وأعادت بطولات الكنانة سيرة عمرو بن العاص وسيرة العز بن عبد السلام، وأعادت بطولات أهل ليبيا وجهادهم سيرة عقبة بن نافع وموسى بن نصير وعمر المختار!! ..

إنّ هذه الرياح الطيبة في أعمال الأمة العطرة لتبشّر بمرحلةٍ مقبلة جميلة سوف تُشرق شمسها عما قريب على أمة الإسلام، لأنّ الأمة باتت تتّصف بالصفات التي يحبها الله في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" المائدة 54، وقوله: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران110

إنّ الأمر العظيم الذي يجب على الأمة أن تُتوّج به هذه الطاعات العظيمة هو حكم الإسلام بإقامة دولة الإسلام، فيجب عليها أن تسعى مع صيامها وجهادها، ووقوفها في وجه الظلم بدمائها وفلذة أكبادها، يجب أن تسعى لأمر عظيم يُريحها ويُسعدها ويحفظ عليها تضحياتها العظيمة، وجهودها الكبيرة بالعمل الفعلي لإعادة سلطان الله للأرض.

5-      يجب على الأمة أن تتذكر حديث المصطفى عليه السلام: "السلطان ظل الرحمن في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإن جار وحاف وظلم كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الفتاوى: "إن الظل مفتقر إلى آوٍ وهو رفيق له، مطابق له نوعا من المطابقة، والآوي إلى الظلّ المكتنف بالمُظلّ، صاحب الظل، فالسلطان عبد الله مخلوق مفتقر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية، التي بها قوام الخلق ما يشبه أن يكون ظلّ الله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس، وإذا فسد فسدت بحسب فساده، ولا تفسد من كل وجه بل لا بد من مصالح، إذ هو ظل الله لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من جميع الأذى، وتارة لا يمنع إلا بعض الأذى، وأما إذا عدم الظل فسد الأمر كعدم سر الربوبية التي بها قيام الأمة الإنسانية، والله تعالى أعلم" وقوله عليه السلام : " الإمام جنة، يقاتل من ورائه ويتقى به) رواه مسلم، وقوله :"الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالإسلام أسٌّ، والسلطان حارث، وما لا أس له يهدم، وما لا حارث (حارس) له ضائع" أخرجه الديلمي ( كنز العمال).

وتتذكر قول الإمام القلقشندي: "الخلافة حظيرة الإسلام، ومحيط دائرته، ومربع رعاياه، ومرتع سائمته، والتي بها يحفظ الدين ويُحمى، وبها تُصان بيضة الإسلام، وتسكن الدهماء، وتقام الحدود فتمنع المحارم عن الانتهاك، وتُحفظ الفروج فَتُصان الأنساب عن الاختلاط، وتُحصن الثغور فلا تطرق، ويُذاد عن الحُرَمِ فلا تُقرع...".

 

فيجب على الأمة أن تُتوّج طاعاتها في هذا الشهر العظيم (شهر رمضان) بإقامة حكم الإسلام، (دولة الإسلام..، خلافة الإسلام) ، التي يرضى عنها ساكن الأرض وخالق السماوات والأرض، ويُطبقُ في ظلها الإسلام كاملا نظام عدلٍ واستقامةٍ وهدىً، ويُحملُ رسالة خيرٍ وهدىً إلى كل الشعوب على وجه الأرض، فلمثل هذا فليعمل العاملون الذين يبغون مرضاة الله والفوز بجنانه الواسعة الكريمة، ويبغون العزة والرفعة والسموّ في دار الدنيا!!.

نسأله تعالى أن يجعل في رمضان هذا عزة المسلمين بقيام دولة الإسلام .. آمين يا رب العالمين.

 

23-8-2011