الرئيسية - للبحث

 

أزمة الديون الأمريكية ترسخ حاجة البشرية لنظام الذهب والفضة

وضرورة الانعتاق من عبودية الدولار

بقلم: علاء أبو صالح

منذ أن فكت الولايات المتحدة ارتباط دولارها بالذهب في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون عام  1971م، بما مثل أكبر عملية سرقة في التاريخ، والعالم يعيش تحت الهيمنة بل العبودية الاقتصادية الأمريكية.

ومنذ تلك اللحظة تحول النقد إلى وسيلة استعمارية، وتفننت أمريكا في التلاعب بنقد العالم وفق مصالحها فسببت الاضطرابات النقدية والأزمات الاقتصادية التي جرت الويل والثبور على العالم بأسره.

والاقتصاد الأمريكي، وبقية اقتصاديات أوروبا وما يسمى بالعالم الحر، ترتكز إلى نظام رأسمالي عفن بان فساده وأزكمت رائحته الأنوف، وعاد واضحاً بشكل حسي، من خلال ما عاينه البشر من أزمات متعاقبة متراكمة، بأنّ النظام الرأسمالي يُعد مصنعاً للأزمات الرهيبة التي غالباً ما تودي بالطبقات المتوسطة والفقيرة بينما تنأى بطبقة كبار الرأسماليين بعيداً عن الأضرار أو الجسيمة منها.

والأسباب الرئيسية للأزمات المالية الرأسمالية تتمحور حول العملات الورقية الإلزامية والربا والشركات الرأسمالية وتجارة الأسهم ...

ومع تمدد اقتصادها وجشعها الاستعماري، توسعت الهيمنة الأمريكية على العالم، ومع فرضها لدولارها كغطاء للعملات الأخرى واعتماده وسندات الدين الأمريكي كمخزون احتياطي للدول الأخرى، باتت الأزمة التي تلم بالاقتصاد الأمريكي أزمة للعالم بأسره، اذ مخلفات أية أزمة يمر بها الاقتصاد الأمريكي تشمل جميع اقتصاديات دول العالم.

أزمة الدين الأمريكي الحالية، التي تلخصت في عدم قدرة أمريكا على تقديم خدمات الديون لسندات خزينتها المنتشرة في العالم مما اضطرها لأن ترفع سقف الدين الأمريكي ليصل إلى 16.7 تريليون دولار وتخفيض النفقات في حل ترقيعي مؤقت، مما أدى إلى تخفيض درجة الائتمانية للسندات الأمريكية لدى مؤسسات عالمية عريقة كمؤسسة ستاندرد اند بورز، دفعت المكتوين بلظى الدولار كأمثال الصين إلى الدعوة إلى ايجاد عملة بديلة عن الدولار يتم الاعتماد عليها كمخزون احتياطي.

إنّ هذه الدعوة من الصين وإن كانت رمزية حتى الآن بسبب كون الصين أكبر دائن للولايات المتحدة، واعتماد عملة أخرى سيوجه ضربة قوية لاقتصادها بسبب امتلاكها لسندات خزينة أمريكية بما قيمته 1.15 تريليون دولار وفق وول ستريت جورنال أو 2 تريليون دولار وفق احصائيات أخرى، إلا أنّ هذه الدعوة تعبّر عن مدى حاجة العالم اليوم لنظام مالي جديد غير النظام المالي الرأسمالي السائد والذي أتاح للولايات المتحدة أن تستعبد العالم بدولارها الوهن.

فالأزمات التي تمر بها الولايات المتحدة، وحجم الدين الهائل الذي بات يساوي حجم الدخل القومي للولايات المتحدة، كشفت الغطاء عن هشاشة اعتماد الدولار كمخزون احتياطي للدول، وأن اعتماده كغطاء للعملات العالمية الأخرى مرده إلى بلطجية أمريكا السياسية والاقتصادية التي تمارسها على العالم.

ولقد سبق دعوة الصين هذه دعوات من جهات اقتصادية وسياسية بارزة، دعت إلى ضرورة اعتماد نظام مالي جديد والعودة إلى نظام المعدنين (الذهب والفضة) لتلافي الأزمات التي يرزح العالم تحت نيرها.

فقد دعا مدير البنك الدولي روبرت زوليك في صحيفة "فايننشال تايمز" إلى اتفاقية بريتون وودز جديدة وأكد أنّ النظام النقدي الجديد يجب أن يدرس استخدام الذهب كنقطة مرجعية دولية لتوقعات الأسواق حول التضخم والانكماش وقيمة العملات.

ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى قيام نظام نقدي دولي جديد، وقال "لا يمكننا بعد اليوم البقاء في هذه الفوضى النقدية".

وقال الرئيس الروسي قبيل قمة واشنطن الاقتصادية: "من الضروري إنشاء نظام مالي جديد".

أما حاكم المصرف المركزي الصيني فقد دعا إلى استبدال نظام دولي جديد بالدولار.

إنّ ترك النظام المالي الرأسمالي والتحول إلى نظام الذهب والفضة وترك التعامل بالربا المسبب الرئيس للعديد من الأزمات المالية، هو الحل الوحيد للعالم بأسره للخروج من الأزمات المالية الآخذ بعضها برقاب بعض، فنظام الذهب والفضة نظام مجرب، تم استخدامه عبر التاريخ لقرون طويلة ولم يسبق أن جرّ على العالم أزمات مالية مثل هذه الأزمات التي تعصف بالعالم والتي تشبه أمراض الإيدز والسفليكس التي أثمرتها الحضارة الغربية.

إنّ نظام الذهب والفضة من أهم خصائصه أنّ العملة تمتلك قيمة ذاتية ولا تخضع لتقلبات الظروف السياسية ولا تتحكم بها الدول، ولا تجعل عملة دولة ما تتحكم بعملة أخرى كما هو حاصل الآن في تحكم الدولار ببقية عملات العالم، كما يحصر استخدام نظام الذهب والفضة المشاكل الاقتصادية لأي بلد مهما كان وزنها السياسي العالمي بحدودها الجغرافية ولا يجعل الأزمة المالية لبلد كأمريكا أزمة للعالم، فلا يؤخذ العالم بجريرة جشع قوم أو إدمانهم على الديون أو غير ذلك من الأسباب.

ولقد سبق لحزب التحرير في كتابه الأموال في دولة الخلافة أن وضع معالم خطوات عملية للعودة إلى نظام الذهب والفضة حيث اعتبر "أنّ الرجوع إلى قاعدة الذهب يوجب إزالة الأسباب التي أدت إلى التخلي عنه، وإزالة العوامل التي أدت إلى تدهوره، أي يُعمل ما يلي:

1 - إيقاف طبع النقود الورقية.

2 - إعادة النقود الذهبية إلى التعامل.

3 - إزالة الحواجز الجمركية من أمام الذهب، وإزالة جميع القيود على استيراده وتصديره.

4 - إزالة القيود على تملك الذهب، وحيازته، وبيعه، وشرائه، والتعامل به في العقود.

5 - إزالة القيود على تملك العملات الرئيسية في العالم، وجعل التنافس بينها حراً، حتى تأخذ سعراً ثابتاً، بالنسبة لبعضها، وبالنسبة للذهب، من غير تدخل الدول بتخفيض عملاتها أو تعويمها.

ومتى ترك للذهب الحرية، فإنه سيكون له سوق مفتوحة في فترة زمنية يسيره، وبالتالي فإنّ جميع العملات الدولية ستأخذ سعر صرف ثابتاً بالنسبة للذهب، وسيأخذ التعامل الدولي بالذهب طريقه إلى الوجود حيث سيجري دفع قيم العقود لسلع مقدرة قيمتها بالذهب.

إنّ هذه الخطوات إذا قامت بها دولة واحدة قوية، فسيؤدي نجاحها إلى تشجيع الدول الأخرى على اتباعها في ذلك، مما يؤدي إلى تقدم نحو إعادة نظام الذهب إلى العالم مرة أخرى". انتهى الاقتباس.

غير أنّ هذه الخطوات تحتاج لقرار سياسي من الدرجة الأولى، إذ أنّ إعلان العودة لنظام الذهب والفضة يعد انقلاباً جذرياً على الأسس الاقتصادية التي استعبدت أمريكا بها العالم، وليست هناك دولة أجدر من دولة الخلافة المرتقبة للقيام بذلك، لأنّ العودة إلى قاعدة الذهب والفضة  يعتبر حكماً شرعياً بالنسبة لها، ولأنّ دولة الخلافة تأخذ على عاتقها مسؤولية هداية ورعاية العالم وتخليصه من براثن الرأسمالية التي اكتوى بلظاها.

9-8-2011م