الرئيسية - للبحث

 
الدكتور ماهر الجعبري / عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير - فلسطين
 
وأخيرا صدر قرار الاعتقال للرئيس السوداني من المحكمة الجنائية الدولية، وهو قرار يذكرنا بطلب رأس صدام حسين، حتى تمت استباحة أرض الرشيد تحت تلك الذريعة، وهو يذكرنا بإعدامه يوم عيد الأضحى في محاولة واضحة لاستفزاز مشاعر المسلمين، وهو قرار يذكرنا بما تناقلته بعض القيادات الفلسطينية عن قتل الرئيس الفلسطيني السابق بالسمّ. وهو يذكرنا بتصريح حاكم ليبيا قي قمة عربية مخاطبا الحكام بأن دورهم قادم للتعليق على أعواد المشانق.
 
إن أمة هذا حال حكامها لمهانة مذلة: فالحكام هم أبناء هذه الأمة، قبل أن ينحازوا لمشاريع المستعمرين وقبل أن يرضخوا لإملاءاتهم، والأمة الحية لا تضيّع أبناءها. فكيف بها تضيّع حكامها لو كان هؤلاء الحكام يحفظون أمتهم؟ الأمة الحية تلتف حول حكامها وتحميهم بالمهج والأرواح ولا تسلمهم لأعدائها، فأهل نصرة المدينة بايعوا الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلم على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأعراضهم، فكان حاكما محاطا بأمته.
 
والحُكم الصالح يقوم على فكرة ونظام ولا يقوم على أشخاص، والحكم الصالح تحميه الناس التي تحمل تلك الفكرة، ويلتف حوله أهل المنعة الذين هم رجال الأمة وأهل القوة فيها. والحاكم المتصالح مع أمته يستند إلى تلك المنعة ويخاطب طالبيه من الأعداء بكل عنفوان وعزة، كما خاطب الرشيد نكفور: "من هارون الرشيد إلى نكفور-كلب الروم".
 
الأصل أن تحمي الأمة حكامها وأن تكون هي السياج المنيع أمام محاولات اختطافهم من قبل أعدائها، وتمنع إذلالهم لأن ذلك إذلال للأمة التي يحكمونها. وخصوصا عندما يكون الذي يطلبهم جهة استعمارية تحت مسمّى العدالة وفي لباس القضاء. ولكن المآسي التي عانت منها الأمة، والمؤامرات التي حيكت ضدها، قد ضربت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وصار الحكام في واد والأمة في واد آخر. وسيستمر هذا الحال من الخصام طالما أن القرار المصيري في استعادة الإرادة المسلوبة من الأمة ومن الحكام لم يتخذ. وطالما أن الحكام يبتغون العزة لدى أسياد الغرب.
 
 
أُعدم صدّام بعد أن لم يستيقظ وهو على سدة الحكم، وهذا حاكم السودان لا يستيقظ اليوم وهو لا زال في مأمن. ولا يبدو أن صاحب الدور التالي سيستيقظ. فإلى أي مدى تستمر سكرة الحكام ويستمر فصامهم عن الأمة وخصامهم معها ؟ ومتى يدركون أن الأمة هي صاحبة السلطان تمنحه للحاكم ببيعة الحكم؟ وهي حامية السلطان تحمي فكرة الحكم ونظام الحكم وشخص الحاكم. فهل ينحازون للأمة قبل أن يتمكّن الغربيون منهم ؟
 
الأمة هي القوة ورجالها هم المنعة، أما الارتماء في حضن الأجنبي فهو موقوت بالمصالح، ومتى انقضت المصالح انقضت صلاحية الحاكم المعيّن بأمر صاحب المصلحة، ولا يأبه حينها من استبداله إذا تغيّرت كفة المصالح. فتلك أمريكا قد تخلّت عن رجلها المخلص في باكستان –مشرّف- عندما أصبح عبئا ثقيلا عليها، وها هي قد تتخلى عن كرزاي في أفغانستان في الانتخابات القادمة، كما قد تفتح الساحة الفلسطينية لدم جديد يحمل نفس الثورة ويقدر على تنفيذ المهمة الأمنية في فلسطين في نفس الوقت. إذاً، عندما يكون الحاكم "مديرا" لمصالح الأجنبي يغيّره الأجنبي متى وجد مصالحه في "مدير" آخر. أما عندما يكون الحاكم "سياسيا" يرعى شؤون الناس تحته، ويحمي مصالحهم ويرد عنهم العدوان، فلا تملك جهة أن تنال منه.
 
والسياسة هي لعبة الأقوياء، والقانون الدولي هو قانون الأقوياء، ولا مجال فيه لمنطق الضعفاء: لماذا تجرؤ المحكمة الجنائية الدولية على طلب تسليم حاكم السودان دون غيره ؟
 
هل تجرؤ على المطالبة بتسليم بوش راعي الإرهاب ضد المسلمين ومأمور سجن أبو غريب وجوانتانامو ؟ وهو الذي جر ما جر على المسلمين من ويلات ومآس في العراق وفي أفغانستان ؟
 
هل تجرؤ على المطالبة بقادة الحرب في دولة الاحتلال اليهودي وهم قد شنّوا حربا شرسة على ناس عزّل في غزة تناثرت فيها جثث الأطفال على عين العالم وبصره ؟ وهل تجرّأت على المطالبة باعتقال شاورن بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ؟
 
تتباكى المحكمة الجنائية الدولية على "دارفور" وأهل دارفور، مع أن المتتبع لقضية دارفور يعلم أن أوروبا تتخذها كقميص عثمان، وقد استمرت أوروبا في تحريك قضية دارفور لزعزعة النظام السياسي السوداني ضمن محاولاتها لمزاحمة أمريكا على النفوذ. مع أن الوعي السياسي يفضي إلى أن دارفور هي قضية أمنية داخلية في السودان، وليست قضية سياسية دولية كما تريدها أوروبا. ومنطق المطالبة بقميص عثمان قد بات نهجا غربيا في التدّخل في قضايا الأمة وفي بسط النفوذ الغربي، كما اتخذت أمريكا أسلحة الدمار الشامل مبررا في العراق لضرب مقدرات الأمة فيه، ولتغيير وجه العراق السياسي على الطريقة الأمريكية.
 
لقد تعوّد العديد من الكتاب والإعلاميين أن يقصُروا الهجوم الإعلامي على أمريكا وعلى أعمال أمريكا ضد الأمة، وأن ينظروا إلى أوروبا على أنها الصديق الودود للعرب والمسلمين، وتعوّد آخرون أن ينكروا وجود صراع حقيقي بين أوروبا وأمريكا، وأن يعتبروا أي تحليل سياسي يكشف حقيقة ذلك الصراع وكأنه رضوخ لنظرية المؤامرة الخاطئة، في تقديرهم.
 
نحن اليوم أمام حدث يعاكس تلك الاتجاهات، فهو حدث تحركه أوروبا بزعامة فرنسا بامتياز، وهو حدث يبرز حقيقة الصراع الأوروبي ضد المصالح الأمريكية في أفريقيا، ومنها السودان.
 
فهل ينتبه الإعلاميون إلى حقيقة الصراع فيبروزه ؟ وهل يستيقظ الحكام ويعودون إلى صف الأمة قبل أن ينالهم ذل الجر إلى محاكم المستعمرين واحدا واحدا ؟
 
4/3/2009