الرئيسية - للبحث

 

بسم الله الرحمن الرحيم
"الكذب والتضليل في سياسة الغرب الخارجيّة "
السياسة الداخلية أو الخارجية في أية دولة تستند إلى المبدأ الذي تدين به هذه الدولة، وينعكس على سلوكها في كل أمور حياتها؛ فالدولة الإسلامية تستند في سياستها الخارجية إلى أحكام الإسلام الرحيمة، فتسعى من خلال هذه السياسة إلى نشر الإسلام، أي تسعى إلى نشر الهداية والاستقامة بين الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تكره أحداً على إتباع هذا الدين العظيم، استجابة لقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. } ( البقرة / 256 ) وقوله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. } ( النحل /125 )، وتحفظ أموال الناس ودماءهم في البلاد المفتوحة، ولا تطمع في أي شيء من ثرواتهم أو مقدراتهم، ولا تعتدي على أعراضهم أو ممتلكاتهم، وتتركهم وما يدينون وما يعتقدون ويعبدون !!..
 
وقد ضرب المسلمون أروع الأمثلة في هذه السياسة الخارجية عبر ما يقارب ثلاثة عشر قرناً من الزمان، امتدت فتوحات المسلمين فيها إلى عدة بلاد في ثلاثة قارات، وإلى عدة أعراق وديانات على وجه الأرض، فكانت أغلب الشعوب تترك دينها وتتبع الإسلام لحسن هذه السياسة المنبثقة عن هذا الدين العظيم؛ فالفرس تركوا المجوسية وعبادة النار واتبعوا الإسلام، وعبدة الأوثان والمخلوقات في الهند وجنوب شرق آسيا تركوا دياناتهم واتبعوا الإسلام، كما دخل في الإسلام خلق كثير من أتباع الديانة اليهودية والنصرانية !!
 
لقد كانت الشعوب المفتوحة تشعر بالراحة والطمأنينة في ظل الإسلام أكثر من الديانة التي تعيش في أجوائها، وليس أدل على ذلك من رسالة نصارى الشام إلى أبي عبيدة بن الجراح، عندما طلبوا منه أن يأتي إليهم ويحكمهم بالإسلام، ويخلصهم من ظلم طوائف النصارى في الشام، وكذلك من العهدة العمرية التي ما زال نصارى بيت المقدس يعلقونها داخل كنائسهم ويفتخرون بها، وما جرى أيضا مع أهل سمرقند عندما طلبوا من القائد المسلم (قتيبة بن مسلم) أن يبقى في بلادهم بعد ما رأوا كيف أن القاضي المسلم قضى لهم عليه في الشكوى التي رفعوها ضدّه عندما دخل بلادهم فاتحا دون تخيير وبلاغ !!
 
هكذا عهد الناس المسلمين، وطريقة تعاملهم مع الشعوب، ولم يعهد أحد من الناس، أو من المؤرخين عبر هذه السنوات الطويلة أن المسلمين اغتصبوا مالاً أو عرضاً، أو قتلوا شيخاً أو امرأة من أجل القتل والإرهاب والتنكيل، بل على العكس من ذلك كان المسلمون يردّون المال إلى أصحابه ويحفظونه، كما حصل في فتح حمص على يد أبي عبيدة رضي الله عنه، إذ قام بردّ المال (الجزية) بعد أن حازها في حرز المسلمين، فقال لنصارى الشام: كنا أخذنا هذه الجزية ونحن في بلادكم، والآن نحن مضطرون للخروج فهذه بضاعتكم نردّها إليكم أمانة كما أخذناها غير منقوصة !!
 
بهذه السياسة السامية ساس المسلمون الناس فرضوا عن سياستهم ودخلوا في دين الله أفواجا، وأصبحوا مع الفاتحين بل في مقدمتهم، وظلت هذه الشعوب حتى يومنا هذا لم تترك الإسلام .. فماذا عن سياسات الغرب الكافر، وماذا عن مبدئه الرأسمالي المقيت ؟! وماذا عن سياساته الخارجية مع الشعوب ؟!
 
إن هذا المبدأ السقيم يعكس أثره على الشعوب والدول التي تدين به، فلا تفكر هذه الشعوب إلا برأس المال وبثروات الشعوب من أجل تكثير المال، وبالأسواق الجديدة من أجل تسويق السلع والصناعات، ولا تتورّع الدول الرأسمالية عن إبادة شعب بأكمله من أجل هذه السياسات السقيمة، وذلك كما حصل في اليابان عندما قذفتها أمريكا بالسلاح النووي فأهلكت الحجر والشجر والإنسان والدواب !!
 
ولا يسلم من هذه السياسات الوضيعة حتى أتباع هذا المبدأ، وذلك كما حصل في الحربين العالمية الأولى والثانية، وأُزهقت فيها ملايين الأرواح من أجل النفوذ والثروات والأسواق والأموال وسيادة العرق !!
 
إن من ينظر إلى سياسات الغرب الرأسمالي الكافر يرى أن هذه السياسات الخارجية قد أهلكت البشر والشجر والحجر على وجه الأرض، وضاقت بها البشرية ذرعاً، وذلك بسبب الاستعمار والحروب الدموية الرهيبة في أفغانستان والعراق وليبيا !!
 
نعم، إن الغرب لا يرمي أبداً إلى حماية أهل ليبيا من المدنيين كما يدعي ويكذب على شعوب الأرض، وقراراته الدولية ليس الهدف منها تحقيق العدالة وسيادة القانون الدولي كما يقول، فهؤلاء الحكام المتربعون على رقاب المسلمين منذ ثمانين عاماً ونيف هم سيئة من سيئات هذا الاستعمار، نصّبهم على رقاب المسلمين بعد ثورات التحرر التي دفع ثمنها المسلمون الملايين من الشهداء، ولم يتحرروا بسبب سياسات الاستعمار الغربي ومكره ودهائه السياسي، وبسبب عدم احتكام المسلمين إلى مبدئهم العظيم !! ..
 
فالقذافي هو سيئة من سيئات بريطانيا "العظمى"، عندما طردت الملك السنوسي ونصبت هذا الشيطان المجرم مكانه، وأخذت تمتصّ ثروات ليبيا عن طريق شركاتها العملاقة، وعن طريق احتكار الأسواق الليبية عبر أربعين سنة مضت، وأهل ليبيا محرومون من هذه الخيرات والثروات بسبب هذه السياسات المجرمة الظالمة !!
 
ولو أراد الغرب تطبيق ما يحمله من دين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لما منع الشعوب في العالم الإسلامي من اختيار دينها في الجزائر ومصر والمغرب والسودان، ولما جاء بهؤلاء الشياطين من الحكام وجعلهم حراساً على خدمة أهدافه وسياساته الوضيعة في بلاد المسلمين، ولما أعلن الحرب على الإسلام تحت مسمّى محاربة الإرهاب، ولما منع بعض المظاهر الإسلامية في بلاده مثل الخمار والنقاب والمآذن وغير ذلك ..
 
إن هذه التدخلات الدولية من قادة المبدأ الرأسمالي الدولي هي انتهاك صارخ لكل حقّ للإنسان، من أجل غايات وضيعة تهدف إلى اقتسام ثروات الشعوب وبلادها، والإبقاء على تبعيتها السياسية في دائرة عمالتهم، أو المحافظة على عملائهم ممن يرضون بقاءهم، فإذا رأوا أن مصلحتهم تدور مع بقاء الحاكم دعموه سياسياً وعسكرياً كما هو حاصل في العراق وأفغانستان وباكستان، وإذا رأوا أن المصلحة تدور مع إزالته كما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن، عملوا على إزالته حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة السياسية، حتى لو اضطروا إلى التدخل العسكري كما هو حاصل الآن في ليبيا وربما يحصل في المستقبل في دول أخرى ..
 
لقد ضاقت الشعوب ذرعاً بهذه السياسات المقيتة النابعة من فكر النظام الرأسمالي ونظرته للحياة، وبدأت هذه الشعوب تتطلع بالفعل إلى مخلّص حقيقي ينقذها من ويلات وشرور هذا الوحش المفترس (النظام الرأسمالي)، وهذا بحدّ ذاته مبشر قوي يبشر بقرب عودة دين الإسلام العظيم ؛ دين الرحمة والمرحمة والهداية ..
 
إن السنوات القليلة القادمة ستشهد بإذنه تعالى ولادة نجم وضّاء أفل عن البشرية سنوات طويلة، ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .. وسيكون الإقبال على هذا الخير العظيم من قبل الشعوب المظلومة تماماً كإقدام من يعيش في الظلام يتلمس بصيصاً من نور، وكمن يعيش في سجن رهيب فيجد باب الحرية مفتوحاً ...
حمد طبيب
2/4/2011