الرئيسية - للبحث
 
 
شعوب المسلمين تستخفّ بحكامها
بقلم: حمد طبيب
 
لقد درج الطغاة من الحكام على مر العصور على تغطية فسادهم وإفسادهم في الأرض بطريقتين؛ الأولى: الترغيب والترهيب، والثانية: الاستخفاف بعقول الناس .. وقد ضرب الحق تعالى مثلاً في قصة فرعون لعنه الله، حيث خاطب أهل مصر -بعد انتصار موسى عليه السلام في التحدي- قائلاً: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} ( الزخرف /51- 56 ) . أي جعلهم الله مثلاً لنا لنعرف كيف كان هؤلاء الطغاة يغطّون الحقائق من أجل بقاء سطوتهم على شعوبهم، ومن أجل استمرارية فسادهم وإفسادهم في الأرض !!..
 
فالناظر في سيرة فرعون مصر مع شعبه، يرى أنه قد استخدم أمرين في تغطية الحقيقة، وفي جلب تأييد الناس والتفافهم حوله؛ الأول: أنه عرض سطوته وسلطانه أمام شعب مصر، وقارن ذلك مع مكانة موسى عليه السلام وقيمته في المجتمع "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ" أي أنا أقوى وأعظم من هذا المهين الذي لا يملك شيئاً، ولا يقدر على مال ولا جاه..!!، فأنا أملك القصور والدثور، وأملك الأنهار وأملك الأموال وغير ذلك، فماذا يملك موسى من ذلك ؟!، ومن أحق بالإتباع ؟، ثم استخف بعقول قومه بأسلوب خبيث آخر حيث قال: " فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ"؛ أي إذا كان كما يدعي أنه رسول فليأتنا بالملائكة، وليأتنا بالكنوز من عند ربه!! ..
 
كل ذلك فعله فرعون ليغطي على فساده وسطوته، وفي نفس الوقت ليطمس الانتصار الذي حققه موسى في ساحة الصراع الفكري يوم الزينة، عندما تحدى فرعون في أعلى شيء عنده ؛ في إلوهيته وقداسته في نظر شعبه!!
 
وهكذا كان ديدن حكام المسلمين "الرويبضات" حتى عصر قريب، قبل أن تعرف الأمة الحقائق عن هؤلاء الحكام، وقبل أن يفضحهم الله في عقر دارهم، وفي أبرز الأمور التي كذبوا بها على شعوبهم سنوات طويلة .
 
لقد كان هؤلاء الحكام يغطّون فسادهم وإفسادهم في الأرض بالوطنية المزيفة والقومية الكاذبة، وبالصمود والتصدي والتحدي، والردع لكيان يهود، وبالتعبئة المادية والعسكرية لمواجهة ذلك .. وكانوا يصفون دعاة التغيير من المسلمين بأنهم رجعيون متخلفون، وأن الحضارة والرقي والتقدم الذي أحرزه الغربيون كان عندما تركوا الدين!! ..
 
أما من كان يخالف هذا الأمر، ولا تقنعه هذه السفاهات، فإنهم يواجهونه إما بالترهيب والسجون والقتل، أو بالترغيب عن طريق شراء الذمم بالمناصب والوزارات والوظائف .. وهكذا كان الاستخفاف بعقول الناس على مدار سنوات طويلة من الكذب والنفاق والدجل والتضليل بكافة أشكاله وألوانه !!
 
لكن أثر هذا السحر لم يبق أبد الدهر، فالإنسان يستطيع أن يخدع الشعب بعض الوقت، لكنه لا يستطيع خداعها كل الوقت على مدار الزمان، فقد تنبهت الشعوب لهؤلاء الحكام، وخاصّة بعدما سقطت شعارات القومية والوطنية في حرب العراق وأفغانستان، ومن قبل ضياع فلسطين وغزو لبنان ...، وسقطت أكاذيبهم في الردع والصمود والتصدي تجاه كيان يهود المغتصب بعدما وقعوا معاهدة السلام مع اليهود، وتهافتوا على الاعتراف بهم واحداً بعد الآخر، ثم توجت هذه الفضيحة الكبرى في مؤتمر بيروت سنة 2002 باعتراف الحكومات العربية بكيان يهود على الجزء الأكبر من أرض فلسطين !!
 
إن الشعوب المسلمة اليوم لم تعد تنطلي عليها أكاذيب هؤلاء الحكام، ولم يعد الاستخفاف بالعقول ينجح من قبل هؤلاء الأشرار على شعوبهم، بل إن السحر قد انقلب على الساحر هذه الأيام، حين بدأت الشعوب تستخفّ بعقول حكامها، وتستخف بأفعالهم الوضيعة؛ فالشعب الليبي أظهر استخفافه بحاكمه المجرم وهو يُظهر تمسحه بالإسلام بعد إعلان الغرب الحرب عليه (وهو من كان مهد لهذا الغزو لتحقيق الاهداف الاستعمارية في ليبيا)، وحين زعم أنه (أي القذافي) يدافع عن الإسلام والمسلمين تجاه هذه الحرب، فاستحضروا في أذهانهم ما كان يقوله قبل أيام قليلة: بأنني أحمي الغرب من خطر التطرف والإرهاب في ليبيا، وأن الغرب سوف يواجه حرباً إسلامية في كل دول المنطقة إن حصل لي شيء، وإن كيان يهود (إسرائيل) سوف تكون أيضاً في خطر إن ذهب نظام القذافي !!
 
ونفس الاستخفاف أظهره أهل اليمن بحاكمهم، عندما وصف دعاة التغيير في اليمن بأنهم يوجّهون من قبل اليهود من غرفة عمليات في تل أبيب، وعندما أخذ يحذرهم من حربٍ طائفية تأكل الأخضر واليابس في اليمن، فردوا عليه بأن الحرب الطائفية أنت الذي أشعلتها في أكثر من مناسبة في حرب الشمال والجنوب، وفي حرب الحوثيين ..
 
وها هو الشعب السوري يسير على نفس الخطى في مواجهة أكاذيب حكام سوريا المجرمين أعداء الأمة والدين، وخدام اليهود على مدار أربعين عاماَ؛ من احتلال الجولان، وستين عاماً من احتلال فلسطين ..
فعندما وجّهت الحكومة الاتهام لدعاة التغيير والإصلاح في سوريا بأنهم يريدون خرق جبهة الصمود والتحدي والتصدي لليهود التي يقوم بها النظام السوري، كان الردّ الفوري على ذلك بأن سوريا تحافظ على حدود اليهود منذ أربعين سنة، ولا تسمح لطلقة ولا لعملية أن تنطلق عبر الحدود مع سوريا من الجولان، وعندما قال التلفزيون السوري: بأن جهات إرهابية تحاول إثارة القلاقل في درعا، وعرضوا بعض الأسلحة والدولارات، أجاب الشارع السوري بأن ما جرى نعلمه جيداً، وأن الناس الذين قتُلوا نعرفهم ونعرف أين قتلوا وكيف وعلى أيدي من، ثم قالوا رداً على أكاذيب الجهات الرسمية : من الذي أطلق النار على مظاهرة تشييع الجنائز ومن الذي أطلق النار على المصلّين قرب المسجد الأموي، ومن الذي يقوم بالقتل وبالاعتقالات داخل المدن السورية في طول البلاد وعرضها في دمشق وحماه وحلب واللاذقية وغيرها من ارض الشام ؟!
إن هذا الاستخفاف من قبل الحكام بعقول الناس صار يواجه باستخفاف أكبر بعقول الحكام وأكاذيبهم من قبل الناس، وصار بمثابة الوقود الذي يُقذف على النار المضطرمة ...
 
لقد باتت الشعوب تدرك جيداً حقيقة حكامها وأكاذيبهم، حيث أنها جربتهم سنوات طويلة، وعرفت كذبهم، وفضائحهم وجرائمهم التي لا تعدّ ولا تحصى، وأصبحت ترى فيهم جحيماً لا بد من الخلاص منه بأي سبيل وأي طريق، ولن يطول المقام بهؤلاء الحكام حتى يخلع فسادهم واحداً بعد الآخر حتى لو قالوا ما قالوا، وأظهروا ما أظهروا من الكذب والتلفيق والتزوير، ولسوف تلاحقهم الأمة حتى لو تعلّقوا بأستار الكعبة!! ..
 
وإن هذا مقدمة بإذن الله تعالى لفتح الطريق للخير القريب، لتُزال الحواجز بين الأمة ودينها وتاريخها وحضارتها ... ولتتعرّف الأمة على سبب عزتها؛ وهي: (عودتها أمة واحدة في دولة واحدة هي دولة الإسلام) الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الموعودة..
 
27/3/2011