الرئيسية - للبحث
 
كلينتون ودول الشرق الأوسط وهاجس الخلافة
علاء أبو صالح-
عضو المكتب الإعلامي
لحزب التحرير في فلسطين
في تصريحات تكشف عن النظرة الحقيقية التي ترقب من خلالها الإدارة الامريكية المنطقة، قالت وزيرة الخارجية الامريكية الخميس 13-1-2011م : "إن دول الشرق الاوسط تحتاج لإصلاح المؤسسات الفاسدة وانعاش النظام السياسي الراكد والا فإنها معرضة لخطر الهزيمة في مواجهة التشدد الاسلامي."
وأضافت " الكثير من دول الشرق الاوسط غير ديمقراطية وتواجه خطرا متزايدا من حركات التطرف الاسلامي."
واعتبرت أن "من يتمسكون بالوضع الراهن قد يتمكنون من اخفاء الاثر الكامل لمشاكل بلدانهم لفترة قصيرة لكن ليس للابد."
وأضافت: "كلنا نعلم أن هذه المنطقة تواجه تحديات خطيرة تتجاوز حتى الصراعات التي تتصدر العناوين كل يوم".
ورأت أن "عددا كبيرا من زعماء المنطقة أخفقوا في بناء مستقبل يمكن للشبان أن يؤمنوا به وأن يبقوا من أجله ويدافعوا عنه."
وتابعت كلينتون قائلة إن "الناس الان على علم بما لم يكونوا يعلمونه قبل 20 أو 30 عاما.. وهو أن الكثير من ثروات الحكومات في يد فئة قليلة لا كثيرة وذلك في عدد كبير جدا من الدول".
إن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هذه لتؤكد على أن الإدارة الامريكية يخيم عليها هاجس الخلافة "المشروع الإسلامي للمنطقة والعالم"، وأن تحركاتها ودعوتها للأنظمة لإصلاح أنظمة حكمها المتعفنة هو للحيلولة دون أن يتمكن من أسمتهم "بالمتشددين الإسلاميين" من الوصول إلى سدة الحكم وقلب الأوضاع في الشرق الأوسط وبلاد المسلمين بل والعالم رأساً على عقب.
إن أمريكا ترى "الديمقراطية" في بلاد الشرق الأوسط كما ترى الاستعمار، وعينها في كليهما على عرقلة المشروع الإسلامي، فها هي كلينتون تدعو دول الشرق الأوسط لمزيد من "الانفتاح" و"الديمقراطية" ليس لإعطاء الناس حقوقهم الطبيعية أو لإنصافهم ورفع الظلم عنهم بل لتحول دون التفافهم حول المشروع الإسلامي والمتمثل بالخلافة، وإلا فالإدارة الأمريكية كانت ترى وتشاهد بل وترعى تجبر هذه الدكتاتوريات القائمة في بلاد المسلمين والشرق الأوسط على وجه الخصوص، وكانت تسكت وتصمت عن كل جرائم تلك الأنظمة ولم تتحرك وتدعو تلك الانظمة لإحداث تغييرات إلا بعد تخوفها مما تراه طامة كبرى تحيق بها وبنفوذها في الشرق الأوسط.
فالديمقراطية هي سيف لقطع الطريق على من تسميهم امريكا "بالمتشددين الإسلاميين" من السيطرة على الاوضاع في المنطقة، وإن لم تفلح الديمقراطية فالاستعمار هو البديل كما استعمرت أفغانستان والعراق.
لكن أمريكا تدرك بأن الناس كما عبرت كلينتون "الان على علم بما لم يكونوا يعلمونه قبل 20 أو 30 عاما" وأن الناس باتوا يدركون تبيعة هؤلاء الحكام لها ولبقية الدول الاستعمارية وباتت الناس تدرك بأن الحكام ليسوا من جنسها ولا يحملون همها بل هم سيف مصلت على رقابها، لذا فأمريكا تدرك كذلك بأنها –بدعواتها لإصلاح أنظمة الحكم الموالية لها وللاستعمار في المنطقة- تراوغ في الوقت بدل الضائع وما عاد ينفع مع الناس أي من الحلول الترقيعية.
إن ما لا تدركه أمريكا او تحاول التغافل عنه أو حتى طمسه، هو أن التفاف الناس حول المشروع الإسلامي لا ينبع من مجرد سوء الاوضاع الراهنة وضيق العيش بل ينبع من مفاهيم أعماق ترسخت في قلوب المسلمين، ومن امتداد لتاريخ عريق تسنم فيه المسلمون مقاعد العز والسؤدد، وأن تطلعهم نحو استعادة مكانتهم وسعيهم للتخلص من انظمة الجور لا ينبع من الفاقة ومجرد الشعور بالظلم –وإن كان ذلك يعززه- بل ينبع من رؤية للكون والإنسان والحياة، وينبع من تطلع لدور المسلمين في العالم ورسم سياسته وحملهم لرسالة الإسلام هداية للعالمين.
إن الثورات الشعبية التي تكتسح بعض البلدان العربية والمرشحة للانتشار في بقية البلدان الأخرى، لا يقف خلفها مجرد ضيق العيش وطلب تحسين وسائل المعيشة، وأمريكا تدرك ذلك أيما ادراك فلقد اعتبرت كلينتون أن " المنطقة تواجه تحديات خطيرة تتجاوز حتى الصراعات التي تتصدر العناوين كل يوم".، وفي ذلك اشارة على أن ما تخشاه امريكا هو ما يقف خلف تلك الأحداث وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع.
إن هذه التصريحات تكشف عن طبيعة الصراع بين القوى الاستعمارية وعلى رأسها امريكا وبين المسلمين، وأن هذا الصراع يتعدى الهيمنة على الموارد والثروات إلى صراع أيديولوجي وصراع مشاريع للمنطقة والعالم، وكل محاولة لطمس طبيعة هذا الصراع هي محاولة لتضليل المسلمين وحرف أنظارهم عن استهداف امريكا والدول الاستعمارية لدينهم ومبدئهم. 
إن الواجب الملقى على عاتق المسلمين اليوم أن يتحلوا بالوعي السياسي وان لا يسمحوا للاهثين خلف المشاريع الغربية والساعين للحيلولة بين الامة ومشروعها الحضاري ان يكرسوا هذه التحركات الشعبية لصالح مخططات استعمارية بديلة عن الانظمة الاستعمارية الراهنة، وأن لا يسمحوا لحرف هذه التحركات عن مغزاها وتطلعها الحقيقي الرامي إلى قلع أنظمة الحكم الراهنة التي اكتووا بنيرانها وأن لا يسمحوا بمحاولة إسكاتهم ببعض الإجراءات السخيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
لقد بات واضحاً أن مشاريع الديمقراطية والاستعمار على حد سواء تكرس لضرب الأمة ومشروعها الحضاري، ومهما سعت أمريكا لإصلاح انظمة الجور هذه وتطعيمها ببعض الديمقراطية الزائفة فلن تجلب سوى الويل والثبور لهذه الامة وستفشل كما فشلت هذه الدكتاتوريات. لذا على الامة أن تتجاوز خوض تلك التجارب الفاشلة من جديد وان تتطلع وتغذ السير نحو التغيير الحقيقي الذي يكفل لها أن تُحكم وفق رؤيتها وعقيدتها، وان تحيا حياة كريمة وأن تستعيد مكانتها المرموقة بين الأمم.
لقد آن الأوان لأن تعلي الأمة الصوت في وجه المستعمرين وأذنابهم، أن قد سبق السيف العذل وأن لا مكان لكم بين ظهرانينا ولا كيل لكم عندنا ولا تقربون.
 
15-1-2011م