الرئيسية - للبحث
  
 
الدكتور ماهر الجعبري
– عضو المكتب الإعلامي
لحزب التحرير في فلسطين
 
 
توالى انتشار أخبار التسريبات الأمريكية في الإعلام كانتشار النار في الهشيم، وقد تضمنت معلومات حول اتصالات حكام الخليج وهم يدفعون لضرب إيران وحرمانها من امتلاك السلاح النووي، وحول حرص النظام السوري للمضي في عملية السلام، ومن ثم استعداده للتخلي عن دعم المقاومة في جنوب لبنان وعن حركة حماس، وحول جاهزية قيادات في حماس للاعتراف بدولة اليهود، كما يُنقل عن حكومة قطر، وحول التنسيق "الإسرائيلي" مع السلطة ومع النظام المصري لضرب غزة، وحول دعم أمريكا "لإسرائيل" في عملية السلام، وجاءت هذه التسريبات بعد دفعتين سابقتين: واحدة تعلّقت بجرائم غزو أفغانستان، والأخرى تعلقت بالحرب على العراق، وربما تأتي البقية.
 
إن تسريب هذه الوثائق يؤكد مجموعة من الحقائق، وهي لا تخفى على كل متابع سياسي واع، وغير منخدع أو مخادع فيما يتعلق بطبيعة حكام المسلمين وعلاقتهم بالغرب، وبالصراع الدولي القائم على المصالح، وبالعقلية الرأسمالية النفعية، وبطبيعة التنافس الحزبي-الانتخابي في أمريكا.
 
صحيح أن ما تم كشفه من حقائق لم تكن ظاهرة لكل الناس، ولكنها لا تخفى على المتابع الواعي، وعلى من يتبنى مصالح الأمة من نظرة مبدئية خاصة، وعلى من يقرأ الأحداث بعقله لا بقلبه وميوله، ومع ذلك يصرّ البعض على تسطيح النظرة السياسية وهم يرفضون ما يسمونه "نظرية المؤامرة"، وكأن الدول الكبرى مجرد لاعبين سياسيين في الساحة الدولية، يتحركون بخفة ورشاقة وحسن نية وبروح رياضية، وكأن الحروب التي يشعلها الغرب في العالم هي ألعاب "أتاري" على شاشات الحاسوب ولا علاقة لها بالمؤامرات والمكائد الدولية، وكأن خيرات أفريقيا منثورة أمام شعوبها للتنعم بها، وكأن نفط العرب يسيل لتنمية قدراتهم، وكأنه لا يوجد جدل عالمي حول نصب الدرع الصاروخية في أوروبا، ولا توجد حرب على الإسلام معلنة تحت شعار الحرب على الإرهاب، ولا يوجد كيان يهودي مزروع كخنجر مسموم في صدر الأمة، وكأنه ليس ثمة دبابات أمريكية تحرث أرض أفغانستان كما حرثت أرض العراق.
نعم، يصرّ العديد من الكتّاب والمحليين السياسيين على التعامي عن هذه الحقائق، ورفض أي تفسير للتآمر في العالم، وهنا يبرز سؤال بسيط: ما الذي يحرك الدول والساسة العالميين ؟ وماذا يجري في لقاءات الزعماء إذن ولماذا تعلن الحروب ؟ ومن ثم لماذا هذا التفاعل الإعلامي الكبير مع هذه الوثائق إذا كانت المؤامرات غائبة وإذا كان الساحة الدولية ملعبا "للأبرياء" ولمن يتحركون بروح رياضية وبخيريّة ؟
 
لقد بدأت التسريبات الأمريكية بتسرب وثائق المخابرات الرسمية خلال الصيف الماضي، والتي ارتبطت بإستراتيجية أوباما في متابعة الحرب في أفغانستان وباكستان: حيث كان أوباما ينظر لجدولة الانسحاب من أفغانستان كنقطة مفصلية لتعزيز فرصة الفوز للحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية (التي جرت لاحقا وخسرها)، ومن أجل تحسين فرصته في فترة رئاسية ثانية عام 2012، ولكنه واجه معارضة متنامية داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأميركية ضد طلباته اللحوحة والعجولة من الجيش الأمريكي، وهو مثلا أحال القائد ماكريستال للتقاعد المبكر، إضافة إلى الشكاوى المريرة من رجالات أمريكا في أفغانستان وباكستان وصعوبة موقفهم أمام شعوبهم.
واستشعر أوباما الخطر السياسي الداخلي خصوصا وهو في أجواء التحضير للانتخابات والتفكير بها. فخرجت تلك الوثائق (التي لم تكشف عن معلومات جديدة حول إستراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان أو باكستان) تنتقد السياسات التي اتبعها بوش وتفضح مساوئ إدارة بوش لا إدارة أوباما، حيث أنها مؤرخة قبل تسلم أوباما مهامه.
 
لقد كان ذلك الترسيب مدبرا من قِبل إدارة أوباما، وتلاعبت أمريكا بالقادة والزعماء والإعلام من خلال موقع الكتروني: لأهداف داخلية تحيل الفشل لإدارة بوش وتبرز تحركات أوباما لمراجعة شاملة للاستراتيجية في أفغانستان خلال الخريف الماضي، ولأهداف خارجية حيث تضغط على القيادة الباكستانية من أجل حشد الجيش الباكستاني والتحرك -في تناقض مع عقيدته العسكرية- ضد طالبان والمجاهدين. وفي هذا السياق جاءت الدفعة الثانية من التسريبات في العراق.
 
وعلى الرغم من تلك الأهداف والصراع على المصالح، كشفت تلك التسريبات الوجه القبيح للسياسة الأمريكية، وأظهرت الصراع الدولي على بلاد المسلمين ومنها العراق، وأظهرت جرائم الغرب الرأسمالي البشعة التي سبقت فيها وحوش الغاب، ومع ذلك فلا يمكن لمدع أن يقول أن كشفها كان حرصا على أهل العراق أو أهل أفغانستان، الذين تواطأ عليهم القريب والعدو.
 
وجاءت الدفعة الجديدة من التسريبات بوثائق تتضمن حقائق، ولكنها ليست جديدة لمن يتابع ويدقق: إن تصريحات قادة حماس تتواتر يوما بعد يوم حول قبولهم بدولة في حدود عام 1967، مما أخذ يتبلور كحقيقة لا تحتاج لوثيقة، وإن دعم أمريكا "لإسرائيل" حقيقة راسخة لا تحتاج لوثيقة الكترونية لكشفها ! وإن إعلان الحرب على أهل غزة انطلق من مصر على مرأى ومسمع العالم عندما صرخت ليفني وزيرة خارجية "إسرائيل" في ذلك الوقت بحضور وزير الخارجية المصري: كفى ... كفى. وإن النظام السوري جاهز للتخلي عن دعم فصائل المقاومة عند أول منعطف سياسي يدخله في علاقة سلام مع "إسرائيل"، فهو استخدمها كورقة سياسية، ولم يدعمها يوما بدافع تحرير البلاد، التي سبق أن تخلّى عنها بسحب قواته من الجبهة، وصمت أمام ضرب طائرات "إسرائيل" لمواقع سوريا وتحتها وهي تحوم فوق قصور دمشق، وظل يحتفظ بحق الرد!
ولقد استخدمت أمريكا إيران كفزاعة في الخليج، وهي تنجح في ذلك، كما نجحت في حشد الخليج معها إبان حربها على العراق وعلى أهله وعلى مقدراته، والحقيقة أن أمريكا لا تدرج في حساباتها ضرب إيران -العدو إعلاميا والحليف فعليا. ولقد استخدمت أمريكا إيران كمبرر لمشروع الدرع الصاروخية، ومع ذلك ظلّت روسيا تعتبر ذلك المشروع تهديدا لها، أما حكام الخليج فيطالبون بضرب إيران بلا وعي سياسي، وبدون تحرّك فعلي حسب مصالح الأمة: ومتى كان لهم موقف مع مصالح الأمة ؟
إن القوى الغربية تلتقي على مصلحة الحرب على الإسلام الذي يمتلك دافعية لتثوير الشعوب ضد الغرب، وضد الحكام الذين يحمون مصالح الغرب، ولكن القوى الغربية مع ذلك تتصارع على النفوذ وعلى المصالح الاستعمارية والاقتصادية في العالم، وعلى خيرات الشعوب، ولا بد للنظر لما تكشفه هذه الوثائق من خلال هذا المنظور الثابت في تحليل الأعمال السياسية الغربية.
 
وخلاصة القول أنه على الرغم من كل الزوبعات الإعلامية حول متابعة التسريبات قانونيا وأمنيا، فقد أكّد وزير الدفاع الأمريكي –كما أوردت رويترز في 30/11/2010- أن لا تهديد أمني لأمريكا من هذه التسريبات. وإن الوعي السياسي يفضي إلى أن وثائق حكومية لأكبر دولة في العالم، لا يمكن أن تخرج بالجملة، بل بالألوف المؤلفة، دون علم تلك الحكومة ودون إرادتها، وإن نشر الوثائق الأمريكية هو ضمن أعمال الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض لا رغما عنها، بل إن ذلك قد بدأ يتبلور كأداة سياسية جديدة بيد إدارة أوباما تسخرها لمصالحها الداخلية والخارجية.
ومع أن الفعل أمريكي والغاية أمريكية، فلا يستبعد دائما أن تتخلى أمريكا عمّن يخدمها كما فعلت بمشرف في باكستان، ولذلك حري بالقادة والزعماء الذين تخفق قلوبهم صعودا ونزولا في انتظار الجديد من الوثائق، أن يدركوا الحقائق التي رسختها عقيدتهم، وأن يخشوا من وقفة حق أمام رب العباد قبل الخشية من وقفة خزي أمام الإعلام.
 
2-12-2010