الرئيسية - للبحث
 الدكتور ماهر الجعبري
 ليس ثمة أدنى شك لمن يمتلك أبسط قدرات الإدراك أن الحل السلمي على أساس دولة فلسطينية في حدود عام 1967 لا يمكن أن يتم ولا يمكن أن ترعاه القوى الدولية إلا بالاعتراف بدولة لليهود في فلسطين، ومن ثم الدخول في "علاقات سياسية طبيعية" مع هذا الكيان، تنظّمها اتفاقات دولية ملزمة للكيان الفلسطيني الموعود، سواء التزم أقطابه تلك الاتفاقيات أم "احترموها".
وليس ثمة جدوى للتبريرات السياسية والإعلامية حول قبول هذا الحل السلمي ومشروعيته، ولا يجدي هنا منطق التسطيح السياسي من قبل من يقول أنه يرفض الاعتراف ولكن يقبل الدولة، ولا يجدي تصوير مصطلح مفاوضات "الحل السلمي" للأتباع على أساس أنها تعني ترتيب رحيل اليهود عن فلسطين الكاملة، كما كتب مثلا وزير الحكم المحلي الأسبق المهندس عيسى الجعبري بتاريخ 11/10/2010.
إن كل التبريرات التي يمكن أن تتفتق عن قرائح الكتّاب والساسة لتمرير القبول بدويلة في حدود 67، هي أقرب "للهلوسة السياسية"، أو قل هي بعثرة للقضية تخفيفا لحدة الوصف، وهي خارج سياق الفهم الجاد للتصريحات التي يدلي بها الساسة حول قبولهم بتلك الدولة، إذ هي تتناقض تماما مع كل الأسس التي انطلقت منها المقاومة الفلسطينية بشقيها الإسلامي والعلماني، بل ومع مواثيقها التي أعلنتها.
وهي ليست إلا محاولات غير ناجحة للتخفيف المرحلي لوطئ تلك الهرولة نحو "المجتمع الدولي" والاستجابة لمتطلبات اللعب في ساحاته أمام الشعوب، لتسويق النهج السياسي الجديد داخليا، إذ يدرك الساسة الغربيون تماما مغزى تلك التصريحات، وخصوصا عندما يؤكد كارتر مثلا أن "جميع قادة المقاومة الإسلامية يرغبون في العيش بسلام على أرض 1967"، ومن ثمّ لا ينفي أولئك القادة مثل تلك التوجهات بالأعمال قبل الأقوال، بل تتواتر تصريحاتهم في كل مناسبة حول قبول الدولة الفلسطينية، وحول عدم رفض (أي قبول) مبدأ التفاوض (ولكن .....)، بغض النظر عمّا يأتي بعد "ولكن".
ولدى متابعة أجواء الاتصالات السياسية الغربية مع القادة السياسيين، فإنه من نافلة القول التساؤل عن إمكانية بحث شعار "الجهاد كطريق لتحرير فلسطين" في أي لقاء رسمي معهم أو مع الأنظمة العربية، فكل التحركات السياسية الغربية، وصداها لدى الأنظمة العربية، تستند إلى مشروع الدولتين كحل سياسي "سلمي".
وهو المشروع الوحيد المطروح في تلك الجهود الدولية، بعدما خفتت الأصوات التي كانت تدعو لحل الدولة الواحدة، الذي كانت بريطانيا عرّابه، مع أن بعض الدعوات الناشزات بقيت تدعو إليه بين الفينة والأخرى مثل دعوة الرئيس الليبي لدولة "إسراطين"، والدعوة الجديدة لبعض ساسة يهود للدولة الواحدة كما حصل خلال اليومين الماضيين، والتي يعتبرها البعض هروبا من حل الدولتين.
ولا شك أن حل الدولتين والاعتراف بدولة لليهود، ولو في قرية تائهة في مشارف عكا فكيف بها على جل الأرض، هو باطل سياسيا وشرعيا لدى الأمة سواء كان الحل مرحليا، كما تنادي بعض القيادات التي ترفع شعار الإسلام حاليا، وكما نادت المنظمة في بداية مشوار سقوطها العلني في مستنقع الاعتراف عندما أعلنت مبدأ "خذ وطالب"، أم كان الحل نهاية المطالب التاريخية كما يستعد رئيس السلطة الفلسطينية للإعلان عنه، ليتطور المبدأ القديم الذي برّر بداية مشوار السقوط بعد الترويض إلى مبدأ "خذ وسامح". 
والقبول بدولة الاحتلال في فلسطين، مرحليا أو أبديا، كان يعتبر خيانة عظمى من قبل كل قوى الأمة السياسية، حتى من قبل الأنظمة العربية التي كانت تتغنى باللاءات الثلاثة، والتي قاطعت مصر عندما دخلت نفق كامب ديفيد، ولكنه اليوم حكمة سياسية وحنكة الأداء "العلاقاتي" في المحافل الدولية، حتى من قبل المقاومين. ولم يكن ذلك ليتم بين عشية وضحاها دون المرور بعمليات إعادة تشكيل العقول والقلوب، التي تتغير من خلالها الأحكام والمواقف في عملية أشبه بإعادة تشغيل الأسطوانة نفسها أو إعادة عرض للمشاهد التي سبقت (reply)، للتحول من طرف إلى نقيضه:
قبل بضعة سنوات، وفي أجواء انطلاق المبادرة العربية التطبيعية (عام 2007) طالب أحد شيوخ الفضائيات الأنظمة العربية ب"عدم اتخاذ أي خطوة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما لم تنسحب من الأراضي المحتلة، وتسمح بإقامة دولة فلسطينية"، كما نص موقعه الرسمي، وقال "نحن لا نقبل التطبيع مع إسرائيل إلا إذا قامت دولة فلسطينية حقيقية تملك سماءها وحدودها وحق الدفاع عن نفسها، وفي هذه الحالة فقط قد نفكر في الاعتراف بإسرائيل إذا كانت هناك ضرورة"، بينما كان الشيخ نفسه قد بين في العام 2002 بالنص الصريح الفصيح بأن التطبيع: "حرام بل هو من كبائر الإثم والمحرمات أن نطبِّع العلاقات مع إسرائيل"، كما يوثّق موقعه الرسمي نفسه.
فما الذي تغيّر حتى يتغيّر حكم التطبيع إن لم يكن الأمر زحف ضمن مسيرة الترويض ! ثم كيف يمكن أن نفهم منطق التسطيح السياسي –حسب الإشارة السابقة- في ضوء فتح المجال للتطبيع في حالة قيام دولة فلسطينية ؟ وكيف يستقيم أمام ذلك القول بأن مفاوضات الحل السلمي هي فقط لترتيب رحيل اليهود عن كل فلسطين ؟
إذا كان الحكم الأول حول حرمة التطبيع مع "إسرائيل" هو الصحيح، فكيف يمكن أن يصير التطبيع جائزا (ولو تحت أي شرط) ؟ وكيف يمكن معه للساسة "الإسلاميين" أن يصرّحوا أنهم لن يقفوا في وجه مبادرة السلام التطبيعية كما يُنقل عنهم ؟ بل كيف قبلوا أن يكونوا شهودا على إطلاق مبادرة التطبيع خلال قمة الرياض من خلال حضورهم الرسمي ؟
وإذا كان الحكم الثاني بإمكانية التطبيع في حالة قيام دولة فلسطينية هو "الصحيح على قاعدة تغيّر الأحكام بتغير الأزمان"، فحق القول أن تغير الأزمان قد صار سريعا جدا مما هو من علامات الساعة !!!
وأمام هذا التعارض الصارخ، قد يحاول بعض التبريريين معالجة هذا التناقض استنادا إلى "علم الأصول" حسب مبدأ الناسخ والمنسوخ أو ربما بمنطق الجمع بين الأقوال والخروج بحكم "لعم" للتطبيع ؟
ومرة أخرى، يمكن للبعض التمترس حول شعار لحوم العلماء مسمومة ؟ وبالتالي قد يعمد البعض إلى بحث أسلوب التعاطي مع العلماء بدل بحث ما يقوله العلماء، ويصبح شكل القضية أهم من جوهرها، متناسيين أن عمر كان يقول "اللهم اكفني بلالا وصحبه" من شدة ما كان بلال وصحبه يواجهون عمر ويحاججونه في قضية أرض العراق، ولم يقل أي من الصحابة حينها لحوم الخلفاء مسمومة.
إن القضية أخطر من القادة ومن العلماء ومن الفصائل الفلسطينية جميعها، وهي بلا شك أهم من غضب الجميع، إذ اليوم انتهت أشواط الانبطاح للأنظمة والمنظمة والسلطة والفصائل الوطنية بعدما صار قبول حل الدولتين عندها مقدمة لأي جهد سياسي، كما أن الوضوء مقدمة للصلاة، وهذا شوط القيادات "الإسلامية" في مرحلة ترويض متجددة، مما يوجب التيقظ والتنبيه قبل مزيد من التورّط، وقبل مزيد من تخريب في المفاهيم، ومن تمييع في المواقف السياسية تحت شعار الإسلام.
وكشف هذه المواقف الخطيرة وهذه المسيرة الترويضية مدعاة لأن يخسر كاتب هذه السطور صداقات ومشاعر ود مع أصحابها، ومع ذلك فالموقف الصحيح أثمن من المشاعر، وإن المحبة والأخوة لا تعني رؤية الباطل حقا والخطأ صوابا، بل إن المنطق السليم في هذه الحال هو في القول: "نحبكم ولكن ننصحكم، ولا نخونّكم"، فهل يمكن أن تتم متابعة السياسة بالعقول قبل القلوب ؟
إن اللغة العربية لا تقبل الجمع بين كلمتي المفاوضة مع المقاومة في كلمة "مقاوضة"، وإن الإسلام لا يقبل الجمع بين إمكانية التطبيع والعيش بسلام وبين الجهاد كطريق للتحرير، وكل جهد لإجبار اللغة على الخروج على قواعدها أو إجبار الثقافة على الخروج على الإسلام بل وإجبار السياسة للخروج على التاريخ هو تجديف بعكس تيار الأمة.
ولذلك آن للمخلصين أن يخرجوا عن صمتهم وأن يعيدوا تعريف -بل تأكيد- أسس العلاقة مع الاحتلال على أنها في شكل واحد لا يتعداه يتمثل في حالة حرب دائمة حتى التحرير الكامل: فهل من علماء وقادة وأحزاب يوقفون مسيرة الترويض هذه قبل أن لا حين مناص؟!
أم يستمر دفن "العقل" في رمال المكائد الغربية تحت شعار إحسان الظن بالقادة وحرمة لحوم العلماء ؟
22/10/2010