الرئيسية - للبحث
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
حكومة التكنوقراط ووعود السمن والعسل
الكاتب: عبد السلام أبو العز
 
كثر الحديث عن تشكيل حكومة تكنوقراط في فلسطين، وطُرح بقوة كحل للخلافات السياسية المستعصية، بأن يكون تشكيل حكومة تكنوقراط هو البديل عن تشكيل حكومة من ائتلاف الأحزاب السياسية التي تحمل برامج متناقضة ومتنافرة، وتكون بذلك مصلحة البلد فوق النظرة الحزبية الضيقة... وإليكم محاولة لتتبع هذا الحديث، متى بدأ؟ وإلى أين وصل؟
•        بدأ الحديث عن حكومة تكنوقراط منذ عام 2006 عندما شكلت حماس حكومة السلطة منفردة وبدأت بوادر الاقتتال والحرب الأهلية... فأصبحت حكومة التكنوقراط هي الطريقة لسحب البساط من تحت أقدام حركة حماس.
•        بعد أن استولت حماس على السلطة في قطاع غزة، قام عباس باستغلال الوضع وتشكيل حكومة تكنوقراط تخلو من الفصائل ظاهرياً، ولكنها تحتوي على بعض رجال عباس بالإضافة إلى بعض عملاء أميركا المستقلين وعلى رأسهم سلام فياض، وهدف عباس من ذلك إلى تقوية رجاله وإضعاف الجناح العرفاتي القديم في حركة فتح، إلى جانب النكاية بحركة حماس وإضعاف وجودها في الضفة الغربية.
•        أخذت أميركا تُظهر محاسن الحكومة التكنوقراطية عن طريق دعم عباس وفياض بالأموال وإنجاز المشاريع في الضفة الغربية.
•        رفضت حماس ذلك الحل في بداية الأمر، ففي شهر تشرين الأول 2008 قال القيادي في حماس إسماعيل رضوان: "حماس تؤكد أنها ترفض قطعياً حكومة تكنوقراط؛ لأنها لن تقوم على برنامج وطني؛ حيث إنها غير مدعومة على الأرض من قبل الجماهير ولا يمكن أن يكتب لمثل هذه الحكومة النجاح؛ لأنها لن تستطيع تنفيذ المشروع الوطني المطلوب منها".
•        لكن الوضع تغيّر في هذا العام، ففي 15/6/2010 وجه عمرو موسى رسالة إلى القادة العرب بعد زيارته لقطاع غزة، يقول فيها أن اسماعيل هنية أبلغه موافقة حركة "حماس" على إقامة دولة فلسطين في حدود 1967، ‌وطلب هنية أن تكون الخطوة الأولى بعد التوقيع "تشكيل حكومة تكنوقراط ليس فيها سياسيون، وبالنسبة له، فلن تكون له علاقة بهذه الحكومة ولن يطالب بأن يكون له دور فيها"... وأن يترك "الوضع السياسي وشؤون القضية الفلسطينية لمنظمة التحرير." وأضاف هنية: "إن مهام الحكومة الفلسطينية المقبلة يجب أن تنحصر في ثلاث مهمات هي: التحضير للإنتخابات، الإشراف على إعادة بناء المؤسسة الأمنية، والإشراف على إعادة الإعمار".
•        ومن ذلك يتّضح نجاح الخطة الأميركية في تركيز مفهوم الحكومة التكنوقراطية التي تُركز على المشاريع والأعمال وتُنسي الناس الكفاح والتحرير والصراع مع يهود.
حكومة التكنوقراط طرحت أيضاً كحلٍّ في العراق، وإن كانت لم تُطبق إلى الآن، ولكنها ربما تكون على وشك التطبيق.
•        ففي عام 2007 انسحب عدد من الوزراء من الائتلاف الحكومي برئاسة نوري المالكي، فتحدّث المالكي عن شغل المناصب الشاغرة بوزراء تكنوقراط، وذلك حتى يُظهر لخصومه أنه في غنىً عنهم، وأخذ الكتًاب يمدحون ذلك التوجه بأنه الحل الأمثل للأزمة، فكتب أحدهم (غازي الجبوري) قائلاً: "ولذلك فإن تكليفهم [أي التكنوقراط] بمهام تتعلق باختصاصاتهم يتفق مع المنطق العلمي، لأنهم مؤهلون وقادرون أكثر من غيرهم على تولي مسؤوليات مهمة كالوزارت والإدارات العامة، ولا سيما في عراق اليوم الذي يعاني فقدان الأمن والخدمات ويشرف على الضياع والانهيار." انتهى.
•        وفي خضم الأزمة الحالية (عام 2010) التي تمثلت في عدم القدرة على تشكيل حكومة ائتلافية بعد مرور ستة أشهر على إجراء الانتخابات النيابية، تعالت الأصوات وعقدت المؤتمرات مطالبةً بحكومة تكنوقراط، كمخرج من الأزمة المستعصية، وكإعلان عن فشل الأحزاب السياسية في قيادة البلاد. ومن المعلوم أن أميركا تُظهر عجز السياسيين في العراق عن تشكيل الحكومة كدليل على الحاجة لاستمرار وجودها في العراق لضمان استقراره، ولذلك فإنها قد تحاول تطبيق مفهوم التكنوقراطية في العراق بعد نجاحه في فلسطين، حتى يلتفت العراقيون إلى المشاريع ولقمة العيش، ويسكتوا عن الاحتلال ونهب ثروات البلاد.
فما هو إذن مفهوم التكنوقراطية؟
•        في عام 1919، اخترع مهندس أميركي يدعى "وليام سميث" مصطلح "التكنوقراطية" وأراد به: "تنفيذ حكم الشعب عن طريق خادميهم من العلماء والمهندسين." وحمل رايتها المهندس "هوارد سكوت" حيث أسسَ لها حركةً قوامها من المهندسين والتقنيين، وطرحَ التكنوقراطية خلال فترة الكساد العظيم كبديل لحكم السياسيين الذين فشلوا في حل مشكلة الاقتصاد.
•        ولكن حركة التكنوقراطية سرعان ما ضعفت وذهب بريقها بسبب تحدّيها للنظام الأميركي القائم ومؤسساته العريقة، حيث لم تتمكن من إقناع الناس بضرورة تغيير النظام السياسي السائد واستبدال الحزبين السياسيين العريقين من أجل الوصول إلى التقدم التكنولوجي والرفاه الاقتصادي. وهكذا خمدت الحركة وانقرضت فلم يعد لها ذكر منذ نهاية سنوات الأربعينيات من القرن الماضي.
•        وبحسب مفهومها الأصلي، لا تشتمل فئة "التكنوقراط" على الاقتصاديين ولا الإداريين ولا علماء الاجتماع ونحوهم، لأن هؤلاء جميعاً ومعهم السياسيون فشلوا في إيجاد الحلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولم يعطوا أولوية للتقدم التكنولوجي لضحالة معرفتهم التقنية. أما في هذه الأيام، وخلافاً لذلك المفهوم الأصلي، يوصف المتخصصون في الاقتصاد والاجتماع والتربية والعلوم السياسية ونحوها بالتكنوقراط، مثل ما يقال عن سلام فياض وهو اقتصادي وليس تقنياً. فقد توسّع مفهوم التكنوقراط ليشمل كل خريج جامعي وخاصة من يحمل شهادة الدكتوراة في أي مجال من المجالات.
•        فالذي يتم التركيز عليه اليوم هو أن التكنوقراط لا تلهمهم الأيديولوجيات، ولا يقعون أسرى للآراء المسبقة، ولا تلهيهم الخلافات الحزبية، ولكنهم ينظرون إلى المشاكل نظرة موضوعية، ويضعون لها حلولاً عملية يغلب عليها استغلال التكنولوجيا الحديثة، ويسعون لتنفيذ الحلول بدون أن يلتفتوا إلى قاعدة شعبية ولا إلى معارضة ولا إلى رصيد سياسي ولا إلى انتخابات مقبلة ولا إلى شيء من ذلك، وإنما يهتمون بإيجاد الحلول وتنفيذها بدون تأخير.
ملاحظتان على مفهوم التكنوقراطية
•        التكنوقراطية حسب تعريفها السابق ذكره: "تنفيذ حكم الشعب عن طريق خادميهم من العلماء والمهندسين" هي نوع من الديمقراطية وليست خارجة عنها، إذ أنها تقول بحكم الشعب بما يشمل معنيي السيادة والسلطان، ولكنها تُخصِّص الأهلية لتولي الحكم في فئة المتخصصين من علماء ومهندسين وأطباء ونحوهم، أي أن يختار الشعب من يحكمه من فئة المتخصصين الذين يملكون المعرفة بالتكنولوجيا وهؤلاء هم "التكنوقراط". ولذلك فإن التكنوقراطية لم تأت بوجهة نظر جديدة عن الحياة، وإنما طرحت مواصفات لمن يتولى الحكم في النظام الديمقراطي، وهم "التكنوقراط".
•        ومن نظرة إلى تاريخ التكنوقراطية نجد أنها لم تُطبق في بلاد الغرب حيث نشأت، لأن اختيار الحكام في الغرب يكون من خلال الانتخابات العامة التي يوجهها الرأسماليون الكبار، وتتنافس فيها أحزاب تمثل المصالح الرأسمالية وتحافظ على استمرار السياسات الداخلية والخارجية، ولا تدعو إلى تغييرات جذرية. فهم يدركون أن الحكم أي السلطان ينبع من الشعب أو الفئة الأقوى فيه، وأن ممارسة رعاية الشؤون وتنفيذ الأحكام يتولاها من يملك القدرة على القيادة والرعاية بغض النظر عن تحصيله العلمي أو تخصصه. ولذلك نجد أن الحكام في الغرب متنوّعون مختلفون من حيث تخصصاتهم ودرجة تحصيلهم، ولكن العامل المشترك بينهم هو صعودهم للحكم من خلال الأحزاب السياسية التي هي أركان النظام وحارسة المبدأ وحاملة لواء الأمة.
حكم الإسلام في التكنوقراطية، أنها حرام لسببين:
•        إن واقعها أنها جزء من النظام الديمقراطي لا تنفكُّ عنه، فالتشريع للشعب، حيث أن الحاكم إذا كان تكنوقراطياً فإنه مستأجرٌ من الشعب خاضع لإرادته وينفذ القوانين والتشريعات التي وضعها البشر من عند أنفسهم، وليس مُنفذاً للشرع المنزل من عند الله.
•        أن أميركا تستخدم مفهوم التكنوقراطية لإخضاع الشعوب المستعمرة وإلهائها في كسب لقمة العيش بدل التفكير في التحرُّر من الاستعمار.
وعود السمن والعسل
إذن فقد قامت أميركا بترويج مفهوم التكنوقراطية لكي يبتعد الناس عن الأحزاب والأيديولوجيات والشعارات، وينصرفوا إلى الاهتمام بالاقتصاد وكسب المال. ومن أجل ذلك دعمت حكومة فياض بأموال ومشاريع، وحاولت إبراز إنجازات حكومة فياض لتكون نموذجاً يحتذى به. ولكن ما هي حقيقة تلك الإنجازات؟
•        في تقرير للبنك الدولي بعنوان:" مُرْتَكَزاتُ الدولة الفلسطينية المستقبلية: النمو المستدام والمؤسسات، والذي سيقدم إلى لجنة الارتباط للدول المانحة (AHLC)، والتي ستعقد مؤتمرها في نيويورك يومي 20 و21 من الشهر الجاري، جاء في ملخص التقرير أن: قابليةُ الدولة الفلسطينية المُستقبلية للحياة والبقاء سوف يُقرّرها عاملان، هما: قُوةُ مؤسساتُ الدَّولةُ، ومقدرتُها على استدامة نموها الاقتصادي". وأضاف: "إذا حافظت الدولة الفلسطينية على مستوى أدائها الراهن في بناء المؤسسات وتقديم وإيصال الخدمات العامة إلى المواطنين، فإنها تكون في وضع مناسب جداً لإقامة دولة فلسطينية في أي وقتٍ من المستقبل القريب".
•        لكن التقرير عاد ليقول: "ما لم يُتّخذ إجراءٌ في المستقبل القريب للتّصدّي للعقبات المُتبقية في وجه تنمية القطاع الخاص وتحقيق النمو المستدام، ولتذليل تلك العقبات، فإنّ السلطة الفلسطينية سوف تبقى مُعتمدةً على المانحين، ولن تكون مؤسساتها، بالغةً ما بلغت قوّتُها، قادرةً على دعم وجود دولة قابلة للحياة".
•        ومعنى هذه العبارة الأخيرة –بالعربية الفصيحة- أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستكون معتمدة على المانحين، ولن تكون قادرة على الحياة بدون ذلك. نقطة.
•        وكان رئيس وزراء ووزير اقتصاد السلطة قد تفاخر بأن مناطق السلطة حققت نسبة نمو تفوق 6.8 بالمائة، وزعم أن الاقتصاد الفلسطيني في انتعاش، وصاغ خطته "موعد مع الحرية" جراء ما تحققه سلطته من "إنجازات!!" على الأرض وعلى كافة المستويات والصعد...
•        ولكن جاء تكذيب كلامه على لسان أحد الوزراء السابقين في السلطة. فقد نقلت وكالة معا خبراً مفاده أن "مصدراً رفيعاً" وهو وزير سابق في السلطة وصف ما يحدث من الناحية الاقتصادية في الضفة الغربية بأنه (انفجار استهلاكي) لا أكثر وأن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن ولم ينمُ الاقتصاد، وليس هناك من سبب يدعو لأي تفاخر مراراً وتكراراً بالوضع الراهن... وقال المصدر: "أين المشاريع الكبيرة؟ أين المصانع؟ أين المناطق الصناعية لنتحدث عن نمو؟ إن ما يجري مجرد طفرة تعميرية وإسكانية استهلاكية لا سيما في منطقة رام الله، وإن السكان هرعوا للبناء لأنهم عاشوا فترة حرمان من البناء والاستهلاك وتدمرت منازلهم وكبرت عوائلهم. لكن هذا لا يعتبر بلغة الاقتصاد نمواً اقتصادياً."
 
كلمة أخيرة
 
إذن فإن تباهي الأميركان بنجاح حكومة التكنوقراط ما هو إلا كلام فارغ من محتواه، ووعود السمن والعسل لمن يسير في خطط الأميركان ليست إلا كوعود الشيطان، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً.
ختاماً نقول لمن يدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط أن يتق الله عز وجل في نفسه وأمته وفي أرض فلسطين، فإنه مسؤول يوم القيامة،
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *" الأحزاب 71-72
كما ننصحه أن يعص الكفار ولا يطيعهم، ويتخذ الله مولى ونصيراً،
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ * بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ *"
 آل عمران 149-150
والحمد لله رب العالمين.