الرئيسية - للبحث
 
بقلم الدكتور ماهر الجعبري
ألقى رئيس السلطة الفلسطينية خطابا تبريريا يغطي فيه مهزلة خضوعه للإرادة الأمريكية ولهثه خلف سراب المفاوضات الباطلة، فيما استمر قادة يهود ورموزهم في توجيه الصفعات له، حيث تمنى الحاخام اليهودي والزعيم الروحي لحزب شاس اليميني عوفاديا يوسف "أن يتخلص العالم من الفلسطينيين ورئيسهم محمود عباس"، وفيما أكد نتنياهو مواقفه المسبقة من يهودية دولته، ومن انتهاء قرار تجميد المفاوضات في موعده المحدد في 26/9/2010، وركّز على ضرورة وجود "ترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل"، وهو يصرّ على عدم متابعة جرائم دولته في المحافل الدولية.
إن هذه الصفعات التي يتلقاها رئيس السلطة الفلسطينية قد جعلته يبدو على شاشة فضائية فلسطين كما لو ظللت وجهه سحابة سوداء وهو يلقي خطابه مهتز الثقة، يتحدث عن مبررات واهية لا يقبلها أطفال فلسطين فكيف بسياسييها !
وهو يتعلق بحبال الرعاية الأمريكية التي خذلته مرارا وتكرارا، بل وكان قد هدد قبل أشهر بالاستقالة عندما صعد على شجرة الرفض للدخول في مفاوضات، ومن ثم دفعته أمريكا من فوقها لتتلقفه أيدي لجنة المتابعة العربية، ووعد حينها بأن لديه إجراءات سيعلن عنها في وقتها، ومر الوقت ولم يكن على الأرض غير المفاوضات بعد المفاوضات.
ويستمر رئيس السلطة الفلسطينية في محاولة ستر عورته السياسية المكشوفة بغطاء لجنة المتابعة العربية المهترئ، وهي لجنة تمثل حكومات عربية اشتركت في مآمرة تسليم فلسطين ليهود، وتخلّت عن دورها في تحريك جيوشها لتحرير فلسطين، وأعلنت أنها صاحبة مبادرة سلام تطبيعية مع دولة الاحتلال اليهودي كطريق وحيد في التعامل مع غطرسة ذلك الاحتلال. فأي عباءة ممزقة تلك التي تُلقي بها لجنة المتابعة العربية على عورة السلطة الفلسطينية !
ويتحدث الرئيس الفلسطيني عن مشاركة الرئيس المصري في إطلاق تلك المفاوضات، متناسيا أنه هو الذي يُحكم الحصار على أهل غزة، ويزوّد كيان الاحتلال اليهودي بالغاز بثمن أرخص بكثير من سعره في القاهرة، بل ومن عاصمته انطلقت حرب غزة على لسان المجرمة ليفني. فأي إضافة تبريرية تلك في مشاركة حاكم مصر في هذه المفاوضات؟
ومن ثم يعلّق رئيس السلطة سعيه التائه نحو تلك المفاوضات بقشة بيان اللجنة الرباعية الدولية الهشة، ويقول أنها حددت الأسس والأهداف لتلك المفاوضات، وهي لجنة لقوى استعمارية ما فتئت تضفي الشرعية على الاحتلال وترعاه، وهي تضم أقطاب التآمر على قضية فلسطين منذ نشأتها، وذلك كله في تضليل سياسي صارخ للأمة التي تُجر كما القطيع الضائع نحو الذئاب التي تنهش لحومها.
ومن ثم يحمّل "حكومة إسرائيل" وحدها المسؤولية عن تهديد تلك المفاوضات بالانهيار والفشل، في حال استمرار التوسع الاستيطاني، وكأن دولة مارقة ترتكب جرائم الحرب المتكررة تأبه لتحمل مسؤولية فشل تلك المفاوضات ! وهب أنها تحملت تلك المسؤولية "الإعلامية" في إفشال المفاوضات فماذا يعني ذلك سياسيا وهي التي تتربع في أحضان الغطاء الأمريكي الكامل في كل محفل دولي ؟ أي تهديد هذا الذي يطلقه رئيس في خوضه مضمار الصراع مع محتله ؟
هذه هي الأسلحة التي "يخوض" بها الرئيس الفلسطيني حربه الخاسرة، وهو يؤكد ذلك بقوله "إننا نذهب إلى المفاوضات مسلحين بهذه المواقف والالتزامات"، وهي مواقف مصنوعة من أرض رملية متحركة لا تلبث أن تبتلع كل من يستند إليها عندما ينتهي دوره، والكيّس من اعتبر بغيره.
والحقيقة أن ورقته الوحيدة في تلك المفاوضات هي في قوله "إننا نؤكد على حاجة إسرائيل وحاجتنا إلى الأمن"، والأمن –حقيقية- هو معيار كل تحرك لدولة الاحتلال اليهودي وكل تعامل مع السلطة، وكل نافذة يفتحها الاحتلال لهذه السلطة، ولذلك فهو يتحدث عن ورقة صحيحة ولكنها مدفوعة صباح مساء في كل تنسيق أمني يجري على الأرض، وهو تنسيق لا يتوقف ولو توقفت المفاوضات، وقد تحقق أمن الاحتلال فعلا، حتى في غزة، فلماذا تكترث دولة اليهود لهذه الورقة المدفوعة فعلا؟ 
وبعد كل ذلك يتحدث رئيس السلطة الفلسطينية عن "المساحة الواسعة من الديمقراطية الفلسطينية بما فيها حق التعبير والاختلاف في الرأي"، وكأن أهل فلسطين قد نسوا صورة الأجهزة الأمنية وهي تبطش بكل من يرفع صوته رافضا للمفاوضات، حتى ولو كان من الوسط السياسي الذي يعيش حول السلطة، ولو كان من رموز منظمة التحرير كما حصل في مؤتمر رام الله قبل أيام، ناهيك عمّا يجري من قمع ومنع لمن يرفض نهج السلطة ومنظمتها جملة وتفصيلا كحال حزب التحرير.
ويقول "تلك المساحة تكفل للجميع دون استثناء أن يشاركونا أعباء هذه المسيرة بالرغم من جميع إشكال التباين والاختلاف"، ولكنها مساحة تضيق على مساجد الله وهي تخضع لحصار سلطوي يحاول منع كل صوت خارج عن سياق النهج التفاوضي، بعدما أصبح منطق المشروع الوطني: "لا صوت يعلو فوق صوت المفاوضات"!
إنها تبريرات واهية لسياسة باطلة ونهج في دروب تائهة، ومن ثم ليس بمقدور صائب عريقات أن يخدع المتابع على الفضائيات بتلك التبريرات، بل ليس بمقدوره أن يجيب على أسئلة المحاورين في اللقاءات الحية وهو يدور حول الكلمات نفسها، فليحفظ ماء وجهه بدل إراقته على الشاشات على الهواء مباشرة، وليقف قادة "المشروع الوطني" لحظة مكاشفة ويعترفوا أنهم دحرجوا هذه القضية في منحدرات السقوط والتردي لسنين عجاف، وليقدموا استقالتهم من العمل السياسي ويتركوا القضية لأصحابها القادرين على إعادتها لحضن الأمة.
•        عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين
29/8/2010