الرئيسية - للبحث
 
د.محمود محمد
لقد أدرك الكافر المستعمر مبكراً خطورة ما يمثله حزب التحرير من تحدٍ صارخ وتهديدٍ واضح لمصالحه في العالم العربي والإسلامي، بل قل في العالم كله، فهو يهدد وجوده كما يهدد مصالحه، ذلك أنه يدعو ويعمل بجد وبدون كلل أو ملل، يصل ليله بنهاره، من أجل إستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية. وإقامة الدولة الإسلامية تعني فيما تعني ضرب مصالح الكافر المستعمر في بلاد المسلمين واجتثاثها من أصولها، وعدم السماح لهم بسرقة ثرواتنا وأموالنا كما يفعلون الآن جهاراً نهاراً بفضل حكام دول الضرار. وإقامة الدولة الإسلامية تعني فيما تعني حمل الإسلام بالسيف، بالجهاد، وذلك من أجل تحطيم الحواجز المادية التي تعيقنا عن فتح روما وواشنطن وإخضاعهما وغيرهما من عواصم الكفر للحكم بما يرضي الله سبحانه وتعالى.
 
ولذلك بدأ الكافر حرباً ضروساً لا هوادة فيها ضد الحزب، واستخدم معه أسلوب الجزرة والعصا، علّه يثنيه عما نذر له نفسه، فقد حاول منذ اللحظة الأولى وأد الحزب ودعوته في مهدها، فتعرض للحزب بالتشويه ومحاولة حرفه عن دربه، وتعرض لشباب الحزب بالتنكيل. فتعرض الحزب خلال تاريخه الطويل إلى فتن كثيرة، منها التنكيل بأعضائه ومطاردتهم، وقطع أعناقهم وأرزاقهم ومنعهم من السفر. ولم يسلم منها لا الأعضاء ولا قيادة الحزب ولا الأمير المؤسس رحمه الله تعالى. وتعرضت أفكاره إلى حملات من التشويه والطعن ولا زالت. كل ذلك من أجل أن تتم إزاحة الحزب من طريق الكافر المستعمر. في الوقت الذي تنعم فيه كثير من الحركات الإسلامية في كنف الأنظمة القائمة في العالم بكل ما يلزمها لدعوتها، فما الذي جعل الكافر المستعمر وأعوانه من الحكام العملاء في بلاد المسلمين يطاردون الحزب وينكلون بشبابه، ويغدقون النياشين على غيره من الحركات الإسلامية مع أن الكل يدعو إلى الإسلام؟
والجواب على ذلك مسطر في سيرة المصطفى عليه السلام، فقد ناصبت قريش الرسول صلى الله عليه وسلم العداء له ولدعوته إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وتركت قس بن ساعدة وشأنه، وإن كان يصرح أمامهم بالوحدانية. فلماذا تركته قريش وناصبت محمداً عليه السلام العداء؟
قدم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أعرابي وسأله إلام تدعو؟ قال: إلى لا اله إلا الله وأني رسول الله، أجاب الأعرابي: "هذه كلمة تهابها الملوك". وأجاب آخر: " إذن تقاتلك العرب والعجم" . وهذا الوليد بن عتبه - بعد أن رجع قافلاً إلى قريش عندما عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم المال والزواج والإمارة على أن يتركهم وشأنهم فرفض صلى الله عليه وسلم وتلا عليه ما يبهره ويدهشه من القرآن العظيم – يقول:" دعوه وشأنه سيكون لدعوته شأنٌ عظيم فإن ظهر على العرب فإن عزته من عزتكم، وإن ظفرت به العرب فقد كُفيتموه". وكذلك عندما سمع رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله. قال: "سوف تقاتلك على ذلك العرب والعجم".
في حين أن قس بن ساعدة كان يخطب في سوق عكاظ ويقول للناس: "أيها الناس إسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات وكل ما هو آت آت، مطر ونبات وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات وآيات، وأرض ذات رتاج ,وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أَرَضوا بالمقام فأقاموا أم تُركوا هناك فناموا؟ أَقسَم قس قسماً لا حانثاً فيه ولا آثماً أن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ونبياً قد حان حينه وأظلكم أوانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه".
ثم قال:"تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية يا معشر إياد أين الآباء والأجداد؟ وأين ثمود وعاد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد؟ أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً وأطول منكم آجالاً وأبعد منكم آمالا؟ً طحنهم الثرى بكلكله ومزقهم بتطاوله فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود ليس والداً ولا مولود، ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
                                          ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر
                                          أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر".
إذن، صار السبب واضحاً، وهو أن قريشاً ناصبت الرسول صلى الله عليه وسلم العداء لأنه جاء بدعوة تغيير جذري لكل نواحي المجتمع الفاسد القائم حينئذ. ولم يقبل بترقيعه أو بأنصاف الحلول حين عُرض عليه أن يعبد إلههم عاماً ويعبدون إلهه عاماً، بل ظل سائراً في دعوته لا يحيد عنها قِيد أُنملة، ضرب بعرض الحائط كل المساومات والمفاوضات الرخيصة التي لا تتوج حكم الإسلام على رؤوس الأشهاد، إستمر لا يكل ولا يمل ولا يتألم من قسوة الظروف، حتى كسّر أصنام قريش وأقام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة شرفها الله تعالى.  
وكذلك الحزب هذا ديدنه، وهذه سيرته ناصعة البياض، تعرض لكل صنوف التشويه، ولكل صنوف التعذيب، ولكل المحاولات البائسة الهادفة لحرفه عن طريقه، ولكن الله سلّم، وظل يسير بكل ثقة بنصر الله تعالى، فتراه بعد فتنة الطاغية عبد الناصر، التي كادت أن تودي بالحزب، حين ظل يجدف بكل قواه ضد التيار ليبقى على قيد الحياة، وكان الله معه ونجّاه من أعداء الله وأعدائه. تراه قد خرج منها سالماً وأشد وأقوى منه قبلها.
وتوالت عليه الفتن والابتلاءات والتنكيل في طول البلاد التي يعمل فيها وعرضها. وتلبدت الغيوم من حوله وتناوبته الاختبارات الربانية، ولكنه ظل على العهد والوعد، صادق اللهجة قوي الحجة لا يمل ولا يكل ولا يستكين للظالمين ولا يتألم من وقع سياطهم، وها هو اليوم يصل إلى مرتبة الحزب الأول عالمياً وبدون منافس. وها هو تمتد كلتا يديه يطرق أبواب الحكم بثبات وهو على عتبته، وسيستلمه إن شاء الله تعالى، طال الطريق بنا أو قصر، وساعتها سنرى بأي عين سينظر الجلاد وأسياده للمستضعفين وهم يضعون أفكارهم موضع التطبيق.
إذن، لم تستطع قريش بكل قوتها وجبروتها أن تخمد دعوة الإسلام حين تمثلت في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي حين تكاثرت خلايا الدعوة صار من الصعب عليها إيقافها، وهكذا كان، ها هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم تقترب من المليارين، وهي عصية على أعدائها أن يفنوها، بل إنها قريباً إن شاء الله ستأخذ بحلاقيم أعداء دينها وتجعلهم تحت أقدامها وكان أمر الله مفعولاً.
وكذلك الأمر بالنسبة لحزب التحرير، فإذا كانت قد إجتمعت عليه أمم الكفر من أقطارها ورمته عن قوس واحدة، وناصبته العداء وحاربته بكل الأساليب والوسائل ولكنّ الله تعالى حفظ الحزب وأمده بالعون، فظل نبتة طيبة كما ترون أصلها ثابت في الأرض، ضارب بجذوره في أعماق أمته الكريمة، وفرعها وصل عنان السماء بقوة الله وفضله. إذا كانت هذه القوى الطاغوتية لم تستطع أن تحرف الحزب عن طريقه وخصوصاً حين كانت خلاياه قليلة ضعيفة، ولم تستطع القضاء عليه حين كان ذلك حاله، تُراها اليوم وبعد أن وصل الحزب إلى ما وصل إليه قادرة على القضاء عليه؟  
والصراع مع الحزب للقضاء عليه، إما أن يكون صراعاً مادياً، وذلك من طرف واحد، بأن تقوم الحكومات الطاغية بالإعتداء على الحزب وشبابه، وإما أن يكون الصراع فكرياً، وهو أيضاً من طرف واحد، وهو ما يمارسه الحزب ضد كل ما يخالف الإسلام من فكر أو معتقد أو رأي. أما ما يقوله الآخرون عن الحزب فليس صراعاً فكرياً، بل حملات تشويه تُلوى، بل تُدق فيها أعناق النصوص لتحمل ما لا تحتمل من أجل الطعن في الحزب وآرائه، مع العلم أن كل ما يحمله الحزب من أفكار الإسلام إنما هي إسلام خالص مستنبط من دليل شرعي باجتهاد صحيح مأجور صاحبه.
والقضاء على الحزب إما أن يكون قضاءً مادياً، بأن تقوم القوى الكافرة بالقضاء على كل من ينتمي للحزب، فتقضي على شباب الحزب عن بكرة أبيهم، وهذا أمر محال، لا تستطيع أي دولة حتى أن تفكر فيه. وإما أن يكون القضاء على الحزب قضاءً على فكره، وهذه أصعب من سابقتها، فربما سلّمت جدلاً بإمكانية القضاء على أعضاء الحزب بتصفيتهم جسدياً، وإن كان هذا مستحيلاً، ولكن لا أسلم ولا بحال من الأحوال بالقضاء على الفكرة، لأن الفكرة عابرة للقارات، ولا تستطيع أي دولة أن تصارع الفكر صراعاً مادياً وتهزمه، فهذا لا يفيد، وغير واقع، ولن تستطيع أية دولة في العالم مهما أوتيت من إمكانيات أن تحجر على عقول الناس.
إنتقد يوجين روبنسون نهج الرئيس الأميركي باراك أوباما في أفغانستان، قائلا: إنه ليس من المنطق أن نفكر بالقتال ضد الإرهاب من منظور "الحرب" لأنه ليس من الممكن هزيمة نهج أو فكرة بقوة السلاح.
ولا أزال أذكر ضابط المخابرات الذي طاردني وألح عليّ أن أكلمه، فقال لي مهدداً: نحن سنوقف الحزب وذلك بحظره وسنضع في السجن لمدة عامين كل من ينتمي إليه، فقلت له: الحزب بدأ يعمل قبل ما يزيد عن خمسين عاماً، وقد تمثلت دعوته حينها في شخص أو بضعة أشخاص، ولم يستطع أحد ساعتها أن يوقفه، وها هو يعمل وهو محظور وفي مناطق عديدة وهو يكبر كل يوم، فلن تستطيعوا له منعاً، وها هو صاحبك كريموف حارب الحزب بلا هوادة وقتل ونكل وعذب وسجن الآلاف، فهل قضى على الحزب في أوزبكستانّ؟ صمت قليلاً، ثم إستأذن مسرعاً وكأني بكلماتي قد لامست بعض عقل عنده، فأدرك ما لم يكن يدركه من ذي قبل.
إذن، لا يمكن القضاء على حزب التحرير، بل على كل من يقف في طريقه، أو يحاول أن يرمي حصى في طريقه أن يعيد التفكير مليّا في ماهية عداوته للحزب، إن لم يصل بشبابه إلى الحكم فسيصل بفكره لا محالة، وساعتها بأي عين سينظر إليه أولئك الذين نذروا أنفسهم لحربه؟
وهذه الحقيقة نطق بها الأعداء، أُنظر هذا الصحفي وإلى شهادته:
كتب أليكسي إيجوشيف-وهو صحفي يعمل ويقيم في طاجكستان- مقالاً في 5/2/2003م بعنوان" حزب التحرير يواصل نشاطه في آسيا الوسطى" جاء فيه: (إن حكومات كازاخستان، قيرغيزستان و طاجكستان قد لجأت للإضطهاد والتنكيل في محاولة منها لوقف نشاط حزب التحرير الأصولي السري. وعلى الرغم من القسوة التي تمارس ضد الحزب فإنه "ينمو كالهيدرا"، على حد وصف أحد المحللين (الهيدرا حيوان أسطوري إذا قطعت رأسه ظهر له رأسان، وإذا قطعتهما صارا أربعة رؤوس وهكذا).
ويقول: "الحكومات المجاورة لأوزبكستان مستعدة للسير على إثر حكومة طشقند، بل وزيادة الإجراءات الصارمة ضد الحزب". ويضيف: "في الأشهر الأخيرة قامت حكومة قيرغيزستان بإستخدام وسائل صارمة للحد من نشر الأفكار الأصولية الإسلامية، منها قيام الإدارة الدينية بالإشراف على طباعة ونشر المواد الدينية، ومنها أن أجهزة المخابرات بالتعاون مع الإدارة الدينية لمسلمي قيرغيزستان يعملون على إصدار نشرة بعنوان "فضح الفكر المتطرف لحزب التحرير الديني الأصولي".
ويقول: "وصل ناشطو الحزب إلى كازاخستان، كما ذكر ذلك أندري جوبنكا في مقالته المنشورة في جريدة المآتا في نهاية ديسمبر بعنوان "جيل جديد"، حيث قال: إن أفكار حزب التحرير تجذب الناس في جنوب كازاخستان الذين يعيشون في حالة اقتصادية واجتماعية سيئة. وقال: إن الوسائل المتبعة من قبل الأنظمة ضد الإسلاميين المتطرفين لن تستطيع أن توقفهم وتؤكد ذلك حقائق التاريخ، وقال: إن الفكرة يمكن أن ُتحارب وتُهزم بفكرة أخرى أصح وأكثر جاذبية".
هذه شهادته، وهي شهادة حق وصدق، فلا يمكن هزيمة الحزب إلا في حرب الأفكار، وهذا ما شهد له الأعداء والأصدقاء بأنها ساحته التي لا يدانيه فيها أحد، فضلا عن المنافسة. فلم يبق أمام الدول الكبرى والصغرى والدول القائمة في العالم الإسلامي والمضبوعين بالغرب والعملاء والجهلاء وكل من ناصب الحزب العداء عن علم أو عن جهل، بحسن نية أو بسوئها أن يعيدوا النظر في مواقفهم هذه وأن يفكروا كيف عساهم أن يبنوا جسوراً مع الحزب وكيف عليهم أن يتعاملوا معه وهو في الحكم، على اعتبار أن هذه المسألة مسألة وقت ليس إلا، وما ذلك على الله بعزيز ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
 
1/7/2010م