الرئيسية - للبحث
 
 د.محمود محمد
 
نشرت بعض وسائل الإعلام تقريراً حول قيام كاتبة كندية مسلمة من أصول باكستانية، بإمامة المصلين من رجال ونساء في صلاة الجمعة في كنيسة في مدينة أوكسفورد البريطانية. وألقت الكاتبة أيضاً خطبة الجمعة في المصلين. هذا وقد سبق أن أمّت أستاذة الدراسات الإسلامية في جامعة فرجينيا المصلين في صلاة الجمعة للمرة الأولى عام 2005م.
 
وأنا أشاهد التقرير صباح هذا اليوم، تذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:" لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، ‏فكلما انتقضت عروة،‏ ‏تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة ‏". (مسند الإمام أحمد(
 
فقد نقضت عروة الحكم، وذلك حين أعلن المجلس التركي الكبير تحت ضغط صنيعة الإنجليز مصطفى كمال إلغاءَ الخلافة الإسلامية في 28 رجب 1342هـ الموافق 3 آذار 1924م. ولم يعد بعدها وجود للحكم بالإسلام في أي بقعة من بقاع الأرض وحتى لحظة كتابة هذه السطور. وبنقض عروة الحكم بالإسلام نقضت عرى كثيرة، فقد نقضت عروة الجهاد الذي تباشره الدولة، ونقضت عروة العقوبات التي تطبقها الدولة، ونقضت عروة الزكاة التي تجمعها الدولة من أغنياء المسلمين لتردها إلى فقرائهم، ونقضت عروة الإقتصاد والتعليم...الخ. ولم يبق من الإسلام إلا النزر اليسير، أحكاماً مطبقة في بعض مناحي الحياة، ومنها أحكام الزواج والطلاق، وحتى هذه تعرضت لحملات قوية نقضت من عراها الشيء الكثير. وها هي تنقض عروة الصلاة، فلم يعد هناك حاكم يحاسب الناس على الصلاة، فيعاقب تاركها تكاسلاً، ويقتله إن كان منكراً لها جاحداً لقطعيتها. كما ولم يعد بيننا دولة تبني المساجد وترعى شئونها، بل على العكس نجد الناس يبنون المساجد وحكامهم يغتصبونها ويسلمونها للأوقاف لتقوم الأخيرة بالضرب بعصا السلطة التي تأكل من مغرفتها، كما وأنه لم يعد بيننا خليفة يحاسب أمثال هؤلاء الشواذ فكرياً، ممن إمتدت أيديهم للعبث بأدق تفصيلات الإسلام.
 
ولست هنا في مقام الراد فقهياً على خطأ ما ذهب إليه هؤلاء القلة ممن ضبعهم الكافر المستعمر بأفكار الحريات والديمقراطية العفنة، ذلك أن هذه المسألة محسومة في غير صالحهم، وهم مخطئون قولاً واحداً، ولكن اللافت للنظر أمران:
 
الأول: أن الغرب الكافر جعل يعبث بأحكام الصلاة، وذلك عن طريق المضبوعين به وبثقافته النجسة، في الوقت الذي كان ولا زال يشجع الحركات والأشخاص الذين يتعاطون العبادات دون غيرها من الأحكام، فيدعون إلى الأخلاق والعبادات ويخلون وراءهم الدعوة إلى الحكم والخلافة. أما وقد مدّ يده إلى تفصيلات العبادات، فهذا دليل على عمق الأزمة التي يعيشها، فهو بات يرى الإسلام واقعاً أمامه، وأن مسألة قيام الخلافة، وعودة جيوشها تدك حصونهم وتمرغ أنوفهم في الوحل،لم تعد أكثر من مسألة وقت، طال الزمن أم قصر. فهم في رعب وقلق واضحين من صحوة المارد العملاق القادمة قريباً بحول الله تعالى.
 
لقد عاش أصحاب الديانات الأخرى في ظل دوحة الإسلام لعقود طويلة دون المساس بمعتقداتهم. كانت الدولة تضمن لهم حقهم في عبادتهم وفق دينهم دون المساس بها، ما دام هذا داخل الأديرة والصوامع، ولم يُرو أن المسلمين قد تعرضوا لأحد في عبادته بالمنع أو الترهيب، فضلاً عن التدخل في تفصيلات عباداتهم، مع إعتقادنا بكفرهم وعدم قبول عبادتهم عند الله عز وجل.
 
 والثاني: هو تغطية وسائل الإعلام لمثل هذه الهرطقات، علماً بأن عدد الحضور قليل جداً بل أقل من القليل، ومع ذلك تنبري هذه المؤسسات الإعلامية لتغطية هذه الأعمال، وتغض الطرف عن مؤتمرات عظيمة تطرح أحكام الإسلام صافية نقية وكأنها الآن تتنزل، ويحضرها علماء وسياسيون من خيرة أبناء الأمة. تغص بهم جنبات القاعة، بل لا تتسع لهم ولأمثالهم. هذه المؤتمرات العظيمة لا تذكرها وسائل الإعلام، وكأنها تحصل على المريخ، أما أخبار الشواذ والشاذات دينياً وفكراً فتتسابق لتغطيها، أفٍ لها من مؤسسات إعلامية تخدم مصالح الكافر المستعمر ولا تلتفت لمصلحة أمتها إلا على إستحياء، وساعتها لا تتورع أن تطالها بيد التضليل المقيت.
 
فإلى متى تبقى وسائل إعلامنا أبواقاً للكافر المستعمر وحجر عثرة في طريق المخلصين؟ متى تنتقل من خندق الكفار إلى خندق العمل الجاد المخلص والهادف لإقامة الدين بإقامة دولة الإسلام؟
 
12/06/2010م