الرئيسية - للبحث
 
عبد الرحمن يوسف
خرجت أمريكا إلى العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهى عهد سابق كانت فيه منعزلة عن العالم، وكانت قبل خروجها قد أعدت نفسها جيدا لتكون الدولة الأولى في العالم، حيث ساعدتها عدة عوامل في ذلك أهمها:
•انتهاء دولة الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية) من الوجود.
•الدمار الهائل الذي لحق بأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.
•اقتصادها القوي الذي يرتكز على موارد هائلة.
وقد عمدت أمريكا قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي وغيرهما من مؤسسات تابعة لما صار يعرف بعد ذلك ( بالأمم المتحدة ) لتكون من أدواتها القوية في تنفيذ ما تريده من سياسات في العالم.
قبل الحرب العالمية الثانية كانت أمريكا تتعافى من آثار الكساد العظيم الذي أصابها عقب انهيار وول ستريت الشهير في العام 1929م، وقد وجدت أمريكا ضالتها في الحرب العالمية الثانية لتحسين اقتصادها مما أصابه، حيث عملت مصانع السلاح وغيرها من المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية.
وعلمت أمريكا بعد ذلك أن تعافي اقتصادها جاء من الخارج من خلال الصادرات الهائلة خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، كما كان أيضا من خلال ما سمي بمشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا، إضافة إلى ربطها الدولار بالنفط بعد العام 1971م بما يعرف خطة كيسنجر، وفي المحصلة فقد أدركت أمريكا من درس الكساد العظيم أمرين في غاية الأهمية، ولا زالت تستعملهما استعمالا جيدا حتى الآن وهما:
•تصدير الأزمات الاقتصادية إلى العالم.
•تدخل الدولة في الاقتصاد كلما كان ذلك ضروريا.
وباستعراض الأزمات المالية والاقتصادية التي حصلت، نجد أن المستفيد من تلك الأزمات هو الاقتصاد الأمريكي، بل المتحكمون في الاقتصاد الأمريكي، وهم فئة قليلة يطلق عليها فئة الواحد بالمائة، وهي فئة يقل عددها ويزيد ثراؤها ونفوذها مع الوقت، ومن أزمة إلى أخرى، وما أن تنتهي أزمة حتى تبدأ بالتحضير لأخرى، وإذا استعرضنا أبرز الأزمات المالية التي حصلت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نجد ما يلي:
•جميع الأزمات الاقتصادية الكبيرة ظهرت بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي، فقد نتج عن ذلك تفرد أمريكا بالسياسة الدولية بلا منازع، ومنذ ذلك الحين بدأت أمريكا بتطبيق سياسة العولمة ( كما أطلق عليها لاحقا )، وكانت قد أعدت العدة لذلك، فالدول العظمى لا تبني سياساتها على الصدف، ولا تقدم على شيء دون إعداد وتخطيط، ولا نبالغ إذا قلنا إن أمريكا منذ أن أنشأت المؤسسات الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة -هي تعلم ما تريده من تلك المؤسسات- قد جاء أوانها بانهيار المنظومة الاشتراكية من العالم، وبذلك نجد أن أمريكا كانت قد استكملت كل شروط نجاح سياسة العولمة وبدأت بتنفيذها.
•كان إحداث الأزمات غالبا ما يتم عن طريق المضاربين، الذين هم في معظمهم من الأمريكان، وكلهم يدور في فلك تحالف واشنطن وول ستريت، كما أطلق عليه كثير من المحللين، وقد كان هذا التحالف واضحا لدرجة أن تدخل واشنطن لصالح عصابات المضاربين من وول ستريت كان سافرا، فقد خاطب الرئيس الأمريكي كلينتون نظيره الاندونيسي قائلا (عليك أن تقبل شروط ومطالب البنك الدولي وكأنها وحي من السماء)، ثم وصل الأمر أن طلبت وزيرة خارجيته أولبرايت من الرئيس الاندونيسي التنحي والاستقالة، في الوقت الذي كانت حاملة الطائرات الأمريكية تقترب من السواحل الاندونيسية إلى أن استقال الرئيس، ثم ليعلن خلفه الرئيس حبيبي في خطاب تنصيبه عن قبوله التام بكل ما يطلبه البنك الدولي.
• وأما ما أصاب اليابان فقد كان أصعب بكثير مما أصاب بقية دول جنوب شرق آسيا، فقد كانت اليابان تشكل نموذجا للرأسمالية مختلفا عن النموذج الغربي والأمريكي تحديدا، وكان أبرز ما يميزه تخطيط الدولة للاقتصاد، وانعدام البطالة تقريبا مع وجود نظام اجتماعي ممتاز، كل ذلك استدعى تدخل أمريكا وتحالف المضاربين لفتح الاقتصاد الياباني للنهب، وإجبار اليابان على السير على خطى النمط الأمريكي، وقد أدت الخطة الأمريكية للتدخل إلى نجاح باهر من خلال ما عرف بسياسة الين القوي، حيث عمد مضاربو وول ستريت إلى رفع سعر الين إلى مستوى قياسي أدى إلى:
1-هبوط حاد في مؤشر نيكي إلى ما دون (15000) نقطه ما جعل البنوك غير قادرة على مزيد من التمويل، وذلك لأن معظم أموالها كانت على شكل سندات أمريكية.
2- نتج عن ارتفاع سعر الين انخفاض هائل في الصادرات اليابانية.
فاستسلمت اليابان، وفتحت أسواقها أمام المضاربين أو المستثمرين.
لقد كانت النتيجة مؤلمة لليابان، فقد سيطرت الشركات الأمريكية على كثير من الشركات الصناعية اليابانية- منها شركة نيسان- على سبيل المثال، إضافة إلى سيطرة "المستثمرين" على 30٪ من حجم التداول المالي في اليابان خلال السنة الأولى من فتح الأسواق أمام هؤلاء "المستثمرين" وفي حينه علق رئيس شركة جي بي كابيتال على ذلك بالقول: "إن الفرص في اليابان كثيرة جدا، وهي آتية إلينا بسرعة".
• ما جرى في أزمة المكسيك كان بمثابة انتهاك لسيادة البلد، حيث كانت متطلبات الحصول على قروض إنعاشية للمكسيك في غاية الإذلال، فبعد أن قام المضاربون بتفجير فقاعة أسواق الأسهم المكسيكية، وسحبوا أموالهم من البلد، وانهارت العملة المحلية (البيزو)، بعد ذلك ذهبت المكسيك لطلب العون من البنك وصندوق النقد الدوليين، وقد كان في مقدمة المتطلبات موافقة المكسيك على إيداع كامل عائداتها النفطية لدى البنك الفدرالي الأمريكي في نيويورك.
لقد كتب الرئيس المكسيكي بورفيرو دياز (مسكينة هي المكسيك لبعدها عن الله وقربها من الولايات المتحدة).
 
* وأما الأزمة الحالية، فالمستفيد الوحيد منها هم قسم من مضاربي تحالف واشنطن وول ستريت، فالأموال لم تحترق ولم تتبخر، بل تم ترصيدها في حسابات بعض أساطين المال أولئك، لكن الفارق هذه المرة أن الشعب الأمريكي قام بدفع جزء كبير من الفاتورة، إضافة إلى أصحاب المليارات من المسلمين والعالم، وقد قامت الإدارة الأمريكية بضخ أموال الضرائب لمساعدة القسم الذي تضرر من أباطرة المال، وهي بذلك تقوم بالانقلاب على مبدأ السوق الحر الذي طالما كانت تفرضه على الدول التي تعرضت للأزمات المالية سابقا، وقد خرج الزعيم الماليزي السابق مهاتير محمد ليقول إن أمريكا تقوم بفعل ما كانت تعتبره كفرا في الاقتصاد (يعني تدخل الدولة في الاقتصاد) وهي تفعل ما كانت تمنعنا من القيام به.
إنها ببساطة تقوم بذلك لمصلحة فئة الواحد بالمائة الذين يتحكمون في الاقتصاد العالمي، وهي بذلك تقوم بمكافأة من تلاعب بأموال الشعب بدل أن تعاقبهم.
 بقي أن نشير إلى إن أزمة اليونان كادت أن تمتد إلى أزمة تضرب منطقة اليورو بأكملها، ورغم أن رد دول اليورو كان قويا، إلا أنه لا تزال هناك شكوك في أن تعود الأزمة لتضرب دولا أخرى غير اليونان من دول الاتحاد الأوروبي، وقد بدا واضحا في تصريحات زعماء الدول الأوروبية شدة اللهجة، فقد قال الرئيس الفرنسي: "إننا نخوض حربا"، وقال رئيس المفوضية الأوروبية: "لقد عملنا حائطا لصد هجمات المضاربين وعليهم أن يعلموا ذلك"، وقالت المستشارة الألمانية ميركل: "إن مستقبل اليورو على المحك".
إنها الرأسمالية تأكل بعضها إن لم تجد من تأكله.
كتب أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا البروفيسور دون فان ايتن: "لا شك بأن العقيدة الرأسمالية بلا خلق ولا دين , هكذا هي منذ أن ولدت وحتى يومنا هذا".
اللهم اجعل فرجنا وفرج العالم أجمع قريبا بدولة الخلافة انك سميع مجيب .
17/5/2010