الرئيسية - للبحث
 
إضاءات على مواقف الأمة من أحوال حكامها في الدولة الإسلامية وقبلها
بقلم: الأستاذ إبراهيم الشريف
كثر الحديث عن الدولة الإسلامية وأصبح يزاحم أحاديثًا كثيرة في أجواء الفكر والسياسة وخاصة عند سياسيي ومفكري الغرب، وصار له موضع قدم حتى في الأدب و السينما، فقد كتب أندريه لي جالو مؤخرًا رواية بعنوان "الخلافة" جاء في تقديم المدير السابق للمخابرات الأمريكية بورتر غوس لها : "من حسن الحظ أن رواية الخلافة لاندريه ليجالو خيالية، إلا أن العمل من قبل المتطرفين الأصوليين لعودة الخلافة الجديدة ليس خيالياً" .
ولكن الغموض لا يزال يكتنف طبيعة هذه الدولة عند بعض من يتحدثون عنها ويبدو أن ذلك راجع إلى عدم اطّلاع البعض الكافي على أدبيات من يطرح هذا المشروع أو تصنّع هذا الغموض من البعض الآخر، فيخلطون مثلاً بينها وبين الدولة الدينية، أو لا يعرفون شكلها على وجه التحديد فيقاربوه غالباً مع شكل الدولة الديمقراطية بمناصبها وصلاحياتها، أو لا يوجد لديهم تصور وافٍ عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيها.
الدولة الإسلامية دولة بشرية وليست إلهية
 والدولة الدينية هي دولة يزعم حكامها أنهم وكلاء الله في الأرض لا تجوز محاسبتهم لأن الاعتراض عليهم اعتراض على الله ويستمدون سلطتهم من الله، على عكس الدولة الإسلامية التي يجب فيها محاسبة رئيسها إن أخطأ لأنه بشري غير معصوم ويستمد سلطانه من الأمة –صاحبة السلطان- ولا يصير شرعياً إلا إذا اختارته وبايعته.
ونظام الحكم في الإسلام ليس جمهورياً يكون فيه التشريع للشعب ويُجزَّأ الحكم بين وزارات يجمعها مجلس وزراء يملك الحكم بشكل جماعي، بل تكون السيادة للشرع وليس للشعب ويكون الحكم مركزياً وتوزع الصلاحيات على حكام الولايات، ومناصبها وصلاحيات مناصبها تختلف عما هو عليه في النظام الجمهوري الديمقراطي فلا يوجد مثلاً وزراء لهم صلاحيات واختصاصات وميزانيات منفصلة عن بعضها إنما يوجد معاونون يفوضهم رئيس الدولة لإمضاء الأمور ومعاونته في كل شيء دون تحديد، وليس لهم ميزانيات أو وزارات لأنهم معاونون أو وزراء بالمدلول اللغوي لا الاصطلاحي، أما أجهزة الدولة الإسلامية فهي الخليفة ومعاونو التفويض ومعاونو التنفيذ والولاة وأمير الجهاد (الجيش) ودائرة الأمن الداخلي ودائرة الخارجية ودائرة الصناعة وجهاز القضاء وإدارة مصالح الناس وجهاز بيت المال ودائرة الإعلام وجهاز مجلس الأمة، ولكل جهاز منها صلاحيات تفصيلية تختلف عما هو موجود اليوم وإن تشابهت الأسماء.
معالجة العلاقة بين الحاكم بالمحكوم أمر مصيري
 أما علاقة الحاكم بالمحكوم – موضوع مقالنا- فإنها من الأهمية بمكان بحيث أن استقرار الدولة واستقرار الحياة يتوقف على وجود معالجات تشريعية واضحة لمعالجة هذه العلاقة وما يتفرع عنها، فلا شك أن مسألة وجود الحاكم – على اختلاف تسمياته - في حياة الناس مسألة مصيرية إذ ربما تتوقف عليها الحياة، وأن مسألة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم تبع لها في الأهمية، وقد أولاها الرسول صلى الله عليه وسلم اهتماماً كبيراً وكان ذلك واضحاً قبل تسلمه لحكم المدينة حيث رسم الملامح الأساسية لهذه العلاقة، فأمر الأنصار بالطاعة لمن يُبايع، وأوجب محاسبته وقول الحق إذا أخطأ، وبيّن متى يُنزع هذا الحاكم من منصبه ومتى لا يُنزع ..
 أما من جهة واجبات الحاكم في الإسلام فهي تتلخص في رعاية شئون الناس بالأحكام الشرعية، وهذا ربما يحتاج لبحث تفصيلي لأن الرعاية قد غابت في وقت طغيان نموذج الدولة الديمقراطية الرأسمالية التي هي دولة جباية أكثر منها دولة للرعاية، ولا تضمن لكل فرد بفرديته إشباع حاجاته الأساسية وإنما تنظر لمجموع الدخل القومي، وتجعل الثروات متركزة في أيدي فئة من أباطرة المال من خلال السماح لهم بتملك الملكية العامة كالبترول والمناجم وغيرها.
متى يكون الحاكم شرعياً
ومن جهة موقف الأمة من الأحوال التي يمر بها الحاكم فإنه يمكننا إجمال هذه الأحوال في أربع أحوال أساسية، لكل حالة منها معالجة تشريعية تضمن عدم دخول الدولة في حالة من الفوضى أو الفراغ الرئاسي ما دامت هذه المعالجات موضوعة موضع التطبيق ومنصوص عليها في الدستور وأصبحت عرفاً عاماً لدى الناس، وقبل أن نبين هذه الأحوال ينبغي الإشارة إلى مفهوم الشرعية الذي يختلف عما يطرحه العلمانيون، فالشرعية ليست في رأي الأكثرية وإنما في موافقة التشريع المأخوذ من نصوص الوحي، أما رأي الأكثرية فله اعتبار في الشورى وليس في التشريع، والحاكم الشرعي هنا ليس هو الحاكم الذي يأتي عبر صندوق الاقتراع بغض النظر عن أي اعتبار، وإنما هو الذي تتحقق فيه شروط أساسية فيجب أن يكون مسلماً حراً ذكرًا بالغاً عاقلاً عدلاً قادراً وتتحقق محكمة المظالم من هذه الشروط، ثم ينتخبه الناس ويبايعه ممثلوهم، ولا يصبح شرعياً إلا إذا بُويع على سياسة الناس بالإسلام.
أحوال الحكام لا تخرج عن أربع حالات رئيسية
الحالة الأولى - تمثل الحالة الأصلية - وهي حالة الحاكم الشرعي وهذا حقه الطاعة ولا يجوز التمرد عليه، وإذا بدر منه ظلم يتوجب على الناس محاسبته من خلال مجلس الأمة (وهو مجلس شورى ومحاسبة وليس مجلس تشريع) أو من خلال الأحزاب السياسية فقد جعل الإسلام أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، ويمكن أن تحاكمه محكمة المظالم إذا علمت بظلمه سواء أشتكى المظلوم أم لم يشتكِ، وسواء أكان مسلماً أم غير مسلم ما دام من رعايا الدولة، ولا يجوز التمرد عليه إلا إذا سنّ قانوناً من خارج الإسلام بشكل لا لبس فيه .
الحالة الثانية هي حالة الحاكم المتسلط الذي يستولي على الحكم بالقوة وهذا لا يعتبر شرعياً وليس له حق الطاعة ويجب على الأمة إزالته إن استطاعت إلا إذا أقنع الناس وحكم بالإسلام فبايعه ممثلو الأمة على ذلك، عندها يصبح واقعه كواقع الحاكم الشرعي سواء بسواء من حيث الواجبات والحقوق.
الحالة الثالثة هي حالة حاكم يريد تفريق جماعة المسلمين، وجماعة المسلمين هي المسلمون وعليهم حاكمهم الشرعي، فإذا جاء آخر ينازع الحاكم الشرعي على جزء من الدولة أو والٍ يريد أن يستقل بنفسه عن الدولة الإسلامية فيجب على الدولة أن تقاتله حتى يرجع ويجب على الأمة عدم الانصياع له، فوحدة المسلمين السياسية من القضايا المصيرية التي تهون في سبيلها الدماء، وقد شدد الإسلام في هذه المسألة وفرض مقاتلة هذا المنشق بأقسى العبارات.
الحالة الرابعة هي حالة الحاكم غير الشرعي ابتداء، وتكون في وضع غياب الدولة الإسلامية عن الوجود وغياب نظام الإسلام عن التطبيق، وهذا الحاكم الذي لا يحكّم نظام الإسلام لا يعتبر حاكماً شرعياً إنما حاكماً بالأمر الواقع، ولا طاعة لازمة له ويجب تغييره وتغيير النظام الذي يحكم البلاد بالطريق السياسي المبدئي والذي يتمثل في عدم الدخول في شراكة سياسية مع النظام الحالي، وإنشاء وسط سياسي قادر على قيادة الأمة فكرياً وسياسياً والدخول في صراع مفتوح مع الأفكار غير الإسلامية وإيجاد الرأي العام الصالح عن أنظمة الإسلام وعن الدولة الإسلامية ووجوب إقامتها، فيتبنى هذا التغيير فئة من القادرين على تسليم القيادة الفعلية لمن يريد الحكم بالإسلام.
وفي حالة خلو منصب رئيس الدولة الإسلامية بموته أو عزله أو اعتزاله أو ... فإن أولوية الأمة القصوى يجب أن تنصرف إلى تنصيب حاكم جديد يسوسها بالإسلام خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام ولا يجوز تأخير ذلك إلا في حالة الضرورة مع الانشغال في عملية التنصيب، ويشرف على هذا الأمر أمير مؤقت تنتهي صلاحياته بتنصيب الحاكم الجديد، حيث تعلن محكمة المظالم عن المترشحين الذين تتوفر فيهم الشروط للناس، ثم يقوم مجلس الأمة بحصرهم في اثنين ثم تُعلن الانتخابات ثم يُبايع المنتخَب البيعة الذي تجعله حاكماً شرعياً.
خاتمة
هذه هي الملامح الأساسية لطبيعة موقف الأمة من حكامها على اختلاف أحوالهم، والتي يجب أن تصير عرفًا عاما يضمن إلى جانب تطبيقها من قبل الدولة عدم حصول أي أخطاء من التي مرت في تاريخ الأمة الطويل، صحيح أن الدولة الإسلامية يقودها بشر يخطئون ويصيبون، ولكننا نؤسس لدولة على منهاج النبوة يرضى عنها أهل الأرض والسماء تحقيقاً لبشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا الملك الجبري.