الرئيسية - للبحث
 
علاء أبو صالح/عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين
لازالت قضية الشرق الأوسط تشغل حيزاً كبيراً لدى الساسة والمفكرين وراسمي السياسة الأمريكية، لما تمثله هذه القضية من محور هام من محاور الصراع الحضاري القائم بين المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة -في الوقت الراهن- وبين القوى الغربية الرأسمالية الاستعمارية.
ففي مقال له نشرته صحيفة واشنطن بوست ونشرته وكالات عدة قال زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إنه لتحقيق السلام في الشرق الأوسط لا بد للرئيس الأميركي باراك أوباما من القيام بزيارة تاريخية جريئة للمنطقة مصطحبا معه القادة العرب إلى الكنيست في القدس والمجلس التشريعي في رام الله.
وأوضح أن استمرار احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية الفلسطينية واستمرار محاصرتها وعزلها لقطاع غزة الفلسطيني من شأنه أن يزيد من غضب المسلمين وامتعاضهم إزاء السياسات الخارجية الأميركية، وبالتالي وضع العراقيل أمام إمكانية إدارة أوباما لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية في المنطقة.
واعتبر بريجنسكي "السلام" مهما "لإسرائيل" نفسها حيث صرح وزير دفاعها إيهود باراك قبل فترة بأن غياب حل الدولتين من شأنه تشكيل التهديد الأكبر لمستقبل "إسرائيل" واعتبره أعظم من التهديد الذي قد تشكله قنبلة نووية إيرانية.
وأما بشأن المحاور الأساسية لأي مبادرة سلام أميركية مقترحة في المنطقة، فيرى بريجنسكي في مقاله المشترك مع عضو الكونغرس الأمريكي السابق عن ولاية نيويورك ستيفن سولارز، أنها باتت معروفة للجميع وأنها تتمثل في إيجاد حل لقضية اللاجئين من خلال التعويض أو إعادة التوطين في أراضي الدولة الفلسطينية وليس في "إسرائيل"، مضيفين أن هذه الوصفة قد تكون مرة بالنسبة للفلسطينيين ولكنهما لا يتوقعان من "إسرائيل" أن تقدم على الانتحار من أجل "السلام".
وأما المحور الثاني في المبادرة بحسب الكاتبين فيتمثل في التشارك بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" في القدس بوصفها عاصمة لكل من الدولتين مع بعض الترتيبات الدولية بشأن مدينة القدس القديمة، وذلك أيضا يشكل جرعة مرة بالنسبة "للإسرائيليين" لأنه يعني أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين.
كما يجري الاتفاق بشأن المستوطنات الكبرى الواقعة في حدود 1967 بحيث يتم دمجها ضمن الدولة "الإسرائيلية" عبر اتفاق لتبادل الأراضي.
ويتم نشر قوات أميركية أو قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) على طول نهر الأردن في الدولة الفلسطينية من أجل توفير الحماية الأمنية القصوى لدولة "إسرائيل".
ويمضي الكاتبان إلى القول إن أوباما إذا قام باصطحاب القادة العرب وأعضاء اللجنة الرباعية إلى القدس ورام الله فإنه سيحقق نصرا سياسيا ويضرب مثلا على حسن وقوة القيادة التي استطاعت وضع حد للصراع الطويل في المنطقة.
 
وإذا ما رفض أحد الطرفين أو كليهما مبادرة السلام الأميركية فيرى بريجينسكي وسولارز ضرورة قيام الولايات المتحدة باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي من أجل توفير ضغط دولي أوسع لإجبار الطرفين على قبول المبادرة وتطبيق بنودها بكل الوسائل الممكنة.
ونحن إذ نقف ملياً على مقال بريجنسكي بوصفه أحد موجهي وراسمي السياسة الأمريكية نتناول الموضوع من زوايا عدة:
أولاً: إن أمريكا تتعامل مع ما بات يعرف بقضية الشرق الأوسط باعتبارها عقدة وعقبة أمام مخططاتها السياسية والعسكرية في المنطقة، لا باعتبارها قضية شعب مسكين تكالبت عليه القوى الكبرى وسلبته أرضه وألقمتها ليهود، كما يحاول بعض الحكام أو بعض وسائل الإعلام من تصوير المساعي الأمريكية الحثيثة الرامية لإيجاد حل لهذه القضية. وقد تكرر التعبير عن هذا التوجه للإدارات الأمريكية المتلاحقة ولم يكن آخرها تصريحات الجنرال ديفيد بترايوس في شهادة له أمام مجلس الشيوخ الأمريكي.
ثانياً: إن المساعي الأمريكية تقوم على ركيزة لم تعد سراً أو خافية على أحد، وهي حفظ أمن كيان يهود، وهذا ما عبر عنه بريجنسكي بالقول إن غياب حل الدولتين يشكل تهديداً "لإسرائيل" أكثر من تهديد القنبلة النووية الإيرانية، وهو ما دفع بريجنسكي كذلك للاقتراح بأن ترابط على حدود الدولة الفلسطينية "العتيدة" قوات أمريكية أو من حلف الناتو لتضمن أمن وسلامة "إسرائيل".
ثالثاً: تخشى الإدارة الأمريكية من دوام استمرار الصراع في المنطقة لما تمثله قضية فلسطين من فتيل مستمر لإشعال حروب في المنطقة تخشى أمريكا أن تأخذ طابعاً دينياً فتتحرك الأمة الإسلامية كأمة وتقف موحدة في وجه السياسات والمخططات الأمريكية مما ينذر بفشل أمريكا وبداية انحسار نفوذها لا في المنطقة فحسب بل في العالم وبداية تقهقرها وعودتها إلى عزلتها.
رابعاً: لا يمثل الحكام العرب في نظر راسمي السياسة الأمريكية سوى كورس ممثلين لا يملكون من أمرهم من قطمير، لذا يلاحظ اقتراح بريجنسكي على أوباما أن يصطحب الحكام العرب في زيارة له للكنيست كما يصطحب السلطان حاشيته، من غير أن يذكر أن هذا الأمر يمكن أن يلاقي رفضاً من الحكام أو اعتراضاً أو حتى مجرد امتعاض، فهؤلاء وفق النظرة الأمريكية لا قرار ولا شأن لهم فهم مجرد تبع لأمريكا.
خامساً: أما عن حيثيات المبادرة الأمريكية التي يقترحها بريجنسكي على أوباما فهي كما يقول بريجنسكي باتت معروفة، والتي يمثل حل قضية اللاجئين بالتعويض أو إعادة جزء منهم إلى داخل الدولة الفلسطينية "العتيدة" أبرز ما فيها، وهي سياسة أمريكية عبر عنها رئيس وزراء السلطة سلام فياض في تصريحات سابقة لصحيفة "إسرائيلية"، كما يدعو بريجنسكي إلى اقتسام القدس مع ما يرى فيه من المرارة ليهود ولكن ذلك يمثل بلسماً لمرض عضال، ويدعو إلى تسوية موضوع المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية عبر تبادل الأراضي بين "إسرائيل" والدولة الفلسطينية "العتيدة"، وهذه المقترحات لا تخرج عما هو متبع في السياسة الأمريكية الراهنة والتي تصطدم بحائط مهول يتمثل في رفض اليهود لها وفي عدم شرعية هذه الحلول عند المسلمين، وبالتالي عدم امتداد جذور السلطة لتمثل المسلمين الذين يرتبطون بفلسطين وبالقدس على وجه الخصوص ارتباطاً عقائدياً.
سادساً: في أي مبادرة أو مخطط أمريكي للمنطقة، وعن معنى الدولة الفلسطينية التي ينص عليها حل الدولتين، لا ترى الإدارات الأمريكية وراسمي سياساتها في الدولة الفلسطينية سوى كيان هزيل يقوم بدور وظيفي يتمثل في حماية أمن الاحتلال، ولا يملك ذلك الكيان سيادة حقيقية ولعل اقتراح بريجنسكي بأن تقوم قوات أمريكية أو من حلف الناتو بالمرابطة على حدود الدولة الفلسطينية "العتيدة" لتحقيق الحماية الأمنية القصوى "لإسرائيل" يعطي انطباعاً واضحاً عن الدولة التي يتحدث عنها الأمريكان.
سابعاً: لا يغيب عن الساسة الأمريكان أن "إسرائيل" بعقلية اليهود والطبقة السياسية الحاكمة فيها تمثل عقبة أمام المخططات الأمريكية، لكنهم يرون فيها كالطفل المدلل الذي لا يدرك حقيقة مصلحته فيسير وراء رغباته دون أن يحكم العقل والمنطق، يقول بريجنسكي "إن المعادلة الإسرائيلية غير عقلانية وغير منطقية، ذلك لأن السلام الشامل هو أمر حيوي ويعد من صالح جميع الأطراف، الإسرائيليين والفلسطينيين والأميركيين على حد سواء." وهذا التفكير هو الذي يفقد الإدارات الأمريكية المتلاحقة أداة الضغط الحقيقية لتنفيذ مخططاتها في المنطقة وهو الذي دعا بريجنسكي ليقترح كحال سابقيه أنه في حال رفض أحد الأطراف –وهم اليهود- لهذه المقترحات فعلى الإدارة الأمريكية اللجوء لمجلس الأمن لإلزامه بالأمر، أي أن هذا الاقتراح يعيد القضية إلى حيث بدأت ويفقد المخطط الأمريكي أية ورقة ضغط حقيقية لتنفيذه.
ثامناً: في تجريد مخل لا يذكر بريجنسكي أو يتعمد إغفال استحالة تحقق السلام المزعوم إذ أنه يغفل الارتباط العقائدي الذي يربط المسلمين جميعاً في كافة أقطار المعمورة بأرض فلسطين بقدسها وبحيفا ويافا وتل الربيع وكل شبر محتل منها، وأن تحقيق السلام ليس قضية صراع بين بريطانيا والأرجنتين على جزر الفوكلاند بل هي قضية صراع مبادئ وصراع عقائدي مستحكم ومستفحل بل قضية صراع حق وباطل لا تلاقي أو توسط بينهما، مما ينبأ باستحالة تحقيق "السلام!" الذي تنشده أمريكا.
إن فلسطين واحتلال بيت المقدس كانا عبر التاريخ عاملاً محفزاً للأمة لتلم شعثها وتوحد كلمتها وتعقد عزيمتها فتأخذ زمام أمرها، فتحررها وتعود إلى طليعة الأمم، وهذا الذي يخشاه بريجنسكي والساسة الأمريكان من دوام اشتعال فتيل هذه القضية مما دعاهم للتفكير ملياً لمحاولة إطفاء هذه الجذوة بأي وسيلة كانت.
فهل أدرك أهل فلسطين ما يمثلونه في حلبة الصراع الدائر فينفضوا عن كل المشاريع الغربية ويرفضوا كل المخططات الأمريكية التي ترمي لإحكام السيطرة على الأمة الإسلامية كاملة؟
وهل أدركت الأمة الإسلامية مدى ما تمثله من هاجس يؤرق القوى الغربية الاستعمارية وأدركت أنها إن تحركت تحركاً حقيقياً جاداً للتغيير، بمقدورها أن تقلب موازين القوى الدولية لا أن تستعيد حقوقها المسلوبة أو تحرر أرضها وتستعيد كرامتها فحسب بل وتنقذ البشرية من ضنك الرأسمالية الذي تحياه!
 
12-4-2010