الرئيسية - للبحث
 
الدكتور ماهر الجعبري
يلاحظ المتابع لمسرح الشرق الأوسط السياسي وساحته المرتبطة به في شرق آسيا أن لعبة المصالح تمر في جولة غريبة، إذ ينبري لاعب مشاكس يتحرك بين اللاعبين "برشاقة" سياسية وهو يعرف ماذا يريد وكيف يسدد أهدافه ويدرك نقاط ضعف الآخرين، بينما تجد بقية اللاعبين في الجهة المقابلة له عاجزين عن أي فعل يسهم في تغيير مجرى "المباراة"، لأنهم معاقين غير قادرين على الحراك، وإذا تحركوا فهو حراك العاجز الضعيف.
إذ ليس ثمة شك أمام من تابع قمة حكام العرب أنهم أقروا بعجزهم عن أي فعل جاد يرد على مشاكسات نتنياهو، بل على صلفه وتحدياته لهم، ولمن خلفهم من أتباع، ومن فوقهم من أسياد، وكل ما تمخض عنهم هو حفنة من مال، هم أصلا اغتصبوه من الأمة عندما تسلطوا على ملكياتها العامة، ومن ثم وعدوا بفتات من ذلك المال المغتصب، بعدما علموا أنه يسكت بطون الذين يتاجرون بقضية فلسطين، أو الذين يتصارعون على مصالحهم الفئوية وعلى المكاسب الشخصية من خلال انخراطهم في "ملعب القضية"، إذ ما الذي يمكن أن تفعله الأموال أمام القرارات العسكرية وأمام الاحتلال العسكري الذي يتمادى كل يوم أكثر من سابقه ! وخصوصا وأن تلك الأموال توضع عادة في أيدي من حذفوا من قاموسهم أي معنى عسكري في مقاومة الاحتلال أو الرد عليه؟
وبكل سفاهة، صفق بعض الإعلاميين لكلمات أردوغان التي وصف فيها أعمال ذلك "اللاعب المشاكس" من استيطان على أرض المسلمين بالجنون ! فليضحك نتنياهو وليقهقه كثيرا طالما أنه يسدد أهدافه كما يريد، وطالما أن "وريث العثمانيين" (كما يدّعي) لا يجد من الرد على نتنياهو إلا كلاما لا يصدر إلا عن معاقين عن أي تحرك جاد لتغيير مجرى الأحداث. وطالما أن جيش تركيا يجد "التهديد" في كردستان عسكريا يتطلب تحرك الجيوش، أمام تهديد نتنياهو فهو مجرد "جنون" لا يتطلب إلا شتم نتنياهو عندما يقرر أردوغان "تصعيدا" ضد المشاكس!
وبالطبع سيعود أردوغان للتعاون العسكري مع ذلك "المجنون"، وليتحرك كعراب نشط، للوساطة بين "اللاعب المشاكس" وبين سوريا، التي تدعو المأسورين في فلسطين للمقاومة العسكرية بينما تعفي جيشها من أية مسؤولية تجاه من يحتل أرضها ! لتؤكد أنها تنضّم إلى فريق المعاقين السياسيين بكل إصرار، وأنها لا تملك إلا الكلام. ولتؤكد تناقض المشهد السياسي في العالم الإسلامي، بل تفاهته: فإذا كان الحكام (وهم أصحاب السلطان والجيوش) لا يملكون إلا الكلام كالمحكومين، فمن يملك قرار الفعل وإرادة التحرك إذن؟
وأمام هذا الإقرار بالعجز، توجه الحكام إلى المنظمات والمحافل الدولية لتتحمل مسؤولياتها، تماما كما يفعل المعاقون عندما يتوجهون للجمعيات الخيرية طلبا للرعاية وللمساعدة على الحركة، ويتغافل الحكام عن أن تلك المنظمات هي سبب من أسباب إعاقتهم وهي مصدر الداء، فكيف يطلب منها الدواء!؟ ولا شك أن المعاق بامتحان من الله لا خيار له فيه ولا إرادة، ولا يملك الفعل ولا الحراك، هو معذور، بل مأجور على صبره على قضاء الله. أما المعاق بإرادته وبقراره وإصراره على الارتماء في أحضان أمريكا وأوروبا فهو غادر لئيم ولا يستحق الشفقة، بل لينتظر الحساب العسير من الأمة عندما تتمكن من إزاحته عن صدرها، ومن الله في الآخرة عندما يتبرأ الذين اتُبِعوا من الذين اتَبَعوا. 
ومن ثم توجه المعاقون سياسيا في قمتهم نحو أمريكا، وأعادوا رمي الكرة نحوها لتقرر لهم ما الذي يفعلونه، فإعاقتهم ليست فقط عن الحراك بل أيضا عن التفكير السياسي المنتج، إذ لو لم تكن إعاقتهم في التفكير أيضا، لفكّروا –مجرد تفكير- بخيار العَسكر، بل على الأقل لتوعدوا بذلك الخيار كما تتوعد قادة كيان الاحتلال إيران بمثله كلما شاءت.
وهم إذ يتوجهون لأمريكا، يتغافلون عن أن أمريكا اليوم لا زالت منشغلة عن تحريك ملف قضية فلسطين، وهي تتحرك فيما يتعلّق به بما يشبه الإعاقة أيضا بعدما علقت قدماها في وحل أفغانستان اللزج الخشن، وبعدما سيطر على تفكيرها كابوس الخشية من صحوة جيش مسلم في باكستان يحمل عقيدة عسكرية ترفض الاحتلال، وتخشى أن تدفعه تلك العقيدة يوما، وعلى حين غفلة من أجهزتها الاستخباراتية، نحو التمرد الذي لا رجعة فيه، فيخلع أمريكا من المنطقة بلا رجعة.
ولذلك بينما كان العرب يستعدون لقمتهم، كانت أمريكا منشغلة بما أسمته التنسيق الاستراتيجي مع باكستان، الذي فاحت الأخبار من بعده عن توجه النظام الباكستاني لتغيير عقيدة جيشه العسكرية. وبينما كان العرب مؤتمرون في قمتهم كان اوباما في أفغانستان، حيث الهم الأمريكي والوحل ومصدر الإعاقة.
وأدرك نتنياهو إعاقة اللاعبين جميعا، فاستمر بالتحرك كما يشاء وفي تهديد من يريد وتوعد من يكره، لأنه متيقن من عجز الأطراف عن أي فعل جاد يعرقل برامجه. بل استمر في فرض الملف الذي يريد، ملف إيران، كيف لا وهو يدرك تماما أن أمريكا قد باتت غارقة وفي حالة شبه إعاقة فيما يتعلّق بملف قضية فلسطين.
إذن بينما تتجه عين نتنياهو إلى إيران بإرادته، فإن عيون أمريكا تتجه نحو أفغانستان وباكستان رغما عنها. أما عيون الحكام العرب، فهو مصابة بضعف النظر السياسي، ومركزة في اتجاه واحد لا تتعداه: نحو كراسيهم الآيلة للتحطم بعدما اهترأت وهي يتوارثها قن مملوك عن أبيه أو سلفه.
أما عيون الأمة الجاحظة فهي تتشوف فجرا بدأ نوره يُبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بعد ليل طويل من الذل والهوان، ليعيدوا قدرة الفعل الجاد إلى من يستحقها من قادة مخلصين، فيغيروا مجرى التاريخ وحدود الجغرافيا، لا مجرد مجرى "لعبة نتنياهو".
وأمام ذلك المشهد الغريب، يمكن القول أن قمة العرب الأخيرة قد نجحت باستصدار شهادة إعاقة دائمة لهؤلاء الحكام. وهذا هو الإنجاز الذي يبحث عنه الإعلاميون.
 
29/3/2010