الرئيسية - للبحث

 

الدكتور ماهر الجعبري – عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين
 
أعربت وزيرة الخارجية السابقة ورئيسة المعارضة في كيان الاحتلال اليهودي تسيفي ليفني عن خشيتها من أن "الصراع السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين من الممكن أن يتحول إلى نزاع عقائدي لا يمكن إيجاد حل له" كما نقلت قناة المنار في 1/3/2010. فيما كان رئيس السلطة الفلسطينية قد حذّر خلال جولته الأوروبية الأخيرة مما أسماه "الحرب الدينية"، وكرر تحذيراته تلك في تصريحاته للصحفيين في عمان (حسب القدس العربي في 1/3/2010)، حيث قال "أعلنت بصراحة في أوروبا كأن إسرائيل تريد أن تشعل حرباً دينية في المنطقة".
 
قد يبدو من الغريب أن يتوافق قادة الاحتلال وقادة المشروع الوطني على التحذير من الحرب الدينية أو العقدية، إذ في العادة تكون مصالح المحتل ومن يقع تحت الاحتلال متناقضة، ويكون طريق الحل في تضاد، لأن التحرر من الاحتلال يعني القضاء عليه بحرب عسكرية تحركها عقيدة تدفع الناس لخلع الاحتلال، وهي مصالح ورؤى لا يمكن أن تلتقي بين الطرفين.
 
ولكن هذا التوافق على المصالح وعلى طريق الحل قد بات مألوفا في ظل الانقلاب على القيم الذي تمخض عن المشروع الوطني، وفي ظل الانبطاح التام للإملاءات الأمريكية. ولذلك استجاب رئيس السلطة الفلسطينية لطلب أمريكا لبدء مفاوضات غير مباشرة مع كيان الاحتلال اليهودي، بعدما ظلّ يكرّر أن لا مفاوضات بلا وقف للاستيطان، حيث تحتاج أمريكا لاستمرار جعجعة الملف الفلسطيني في المسرح الدولي، ولتبقى هي الطبّال الوحيد لهؤلاء المتراقصين على لحن تلك الجعجعة.
 
ومن ثم وفّر وزراء الخارجية العرب في القاهرة –كشهّاد زور- غطاء عربيا لرئيس السلطة من أجل أن يستر عورته السياسية أمام الناس بعد تراجعه عن موقفه الرافض السابق. وهو موقف لم يكن ليكون لولا أن أمريكا دفعته باتجاهه في البداية، ثم عجزت عن تليين موقف الاحتلال اليهودي، ولذلك سقط عن "الشجرة" التي أصعدته أمريكا عليها، فتلقفتّه أيدي وزراء الخارجية العرب، قبل أن يرتطم بالأرض.
 
إن دولة الاحتلال اليهودي تعلّن بكل وضوح أنها دولة يهودية قامت على دين اليهودية، وتؤكد ممارساتها الوحشية أنها تحارب على هذا الأساس الديني، ويعلم الجميع أنها لن تتزحزح عن ممارسة الحراك الكاذب كما كان قد وصفه أبو غربية أحد قادة المشروع الوطني، وكما يصرّح كبير المفاوضين صائب عريقات، أنه لا أمل يرجى خلال الأشهر الأربعة التي حددت لهذه المفاوضات غير المباشرة.
 
إذاً، لماذا يصرّ رئيس السلطة الفلسطينية على مفاوضات عبثية ويحذّر من الحرب الدينية ؟ سؤال يزداد وقعا يوما بعد يوم، وخصوصا في ظل تصاعد الحملة الدينية اليهودية ضد المسجد الأقصى والإبراهيمي ومعالم المسلمين الأخرى، وأمام مشاهد القمع والتنكيل والتقتيل التي يمارسها هذا الكيان الديني.
 
لقد أثبتت المفاوضات فشلها على مدار عقود من الحراك الزائف، فيما أثبتت الحرب العقائدية فاعليتها لدى المسلمين على مدار قرون من التاريخ المشرق، وفي جولات المجاهدين ضد المحتلين اليهود في فلسطين وفي جنوب لبنان، وضد المحتلين الأمريكان ومن شايعهم في العراق وفي أفغانستان، وذلك قبل أن تكون للمسلمين دولة تخوض الحرب العقدية بجيوشها، فكيف يكون الحال عندما تخاض تلك الحرب العقدية بجيوش تحب الموت في سبيل الله أكثر مما يحب اليهود الحياة !
 
وأنّى لكيان سرطاني هزيل لا تقوم له قائمة إلا بشريان خبيث من الناس أن يصمد في حرب عقدية تخوضها أمة إسلامية تمتد على جناحي عقاب من إندونيسيا إلى المغرب، مع تسخير ما لدى جيوشها من أسلحة، وتسخير مقدراتها وثرواتها في تلك المواجهة، التي لا تستأهل أكثر من جولة من الأمة، بل ما هي إلا مجرد حالة مرور لجيوش الدولة الإسلامية فوق تراب فلسطين.
 
إن سلاح الاستشهاد وطلب الموت في سبيل الله هو سلاح استراتيجي خاص بالأمة الإسلامية دون غيرها من أمم الأرض، وإن الحرب لدى المسلمين على أساس العقيدة تعني بث روح الجهاد والاستشهاد، وقد لقّنت تلك الروح المحتلين –حيثما حلّوا- دروسا قاسية كلما تحركت في عقول وقلوب المسلمين، ولذلك فإن الحديث عن الحرب العقدية هو استحضار لنقاط القوة لدى المسلمين.
 
بل إن الغرب قد انزعج من مجرد التلويح الزائف بالجهاد من قبل القذافي قبل أيام، في دعوته للجهاد ضد سويسرا لمنعها بناء المساجد، لأن الغرب يدرك تماما معنى الجهاد الذي لا يعرف إلا النصر، وخصوصا أن أوروبا ذاقت طعم الهزيمة أمام المجاهدين على أساس العقيدة الإسلامية، وعلمت أوروبا معنى الدولة الإسلامية التي تقوم على الجهاد: كيف توحد المسلمين، وكيف تحرر بلادهم بل وكيف تفتح أصقاع المعمورة.
 
إذاً، فالتقاء المصالح والرؤى على رفض تلك الحرب، بل والإصرار على مفاوضات عبثية هو دليل على نهج التفريط والتخاذل، لأن الذين يخشون الحرب على أساس العقيدة هم أعداء الأمة، والأصل بالقادة -عندما يكونون مخلصين- أن يستندوا إلى نقاط قوة أمتهم، وأن يذكّروا الأعداء ويتوعدوهم بتلك الحرب لا أن يعربوا عن خشيتهم منها.
 
وإن إدخال صفة "غير المباشرة" لتلك المفاوضات لم يضف شيئا، فتواصل السلطة السياسي والميداني مع كيان الاحتلال لم يتوقف أبدا، بل إن الرئيس الفلسطيني أكّد ذلك التواصل الواقعي في لقائه على التلفزيون المصري قبل أيام عندما بيّن أنه لا يسافر ولا يعود من سفر إلا بعد التواصل والتنسيق مع دولة يهود، وكما صرّح صائب عريقات لدى تعليقه على القرار الوزاري العربي، بأن ما قام به المبعوث الأمريكي خلال الأشهر الأخيرة هو "مفاوضات غير مباشرة"، وبيّن عريقات أنه كان يزور أمريكا بعد ساعات من مغادرة الوفد "الإسرائيلي" لها، أو يغادرها قبل ساعات من حضوره.
 
إذاً، فلا جديد عملي في القرار إلا ما تضمن من تضليل سياسي نحو فترة أخرى من "الحراك الكاذب"، ولتستمر أمريكا في التطبيل للراقصين على جروح فلسطين، بينما عيونها على أفغانستان وباكستان، حيث تشتعل حربا عقدية ضد أمريكا، لا ينجح فيها نهج المفاوضات المباشرة ولا غير المباشرة.