الرئيسية - للبحث

 

 

الدكتور ماهر الجعبري

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

قبل حوالي شهر من خطاب اوباما في القاهرة، وقف الجنرال الأمريكي دايتون خطيبا في واشنطن يوم 7/5/2009 يشرح مشروعه الأمني في فلسطين، ودوره التنسيقيّ الناجح ما بين أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية والجيش "الإسرائيلي": دايتون الذي خدم في الجيش الأمريكي لقرابة 39 عاما تقلّد خلالها عدة مناصب منها عمله كنائب لمدير قسم السياسة والتخطيط الإستراتيجي في هيئة الأركان الأمريكية ومنها مهمته في البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وبينما تزين اوباما أمام حشد من السياسيين العرب لإغراء المسلمين في العالم، وعمل على اجتذابهم نحو إدارة أمريكا بعيدا عن مشاريع الإسلام السياسي المناهض لها، وبعيدا عن زخم التمرد على وجودها العسكري والسياسي في بلادهم، تندّر دايتون في حشد من الشخصيات الغربية (بعيدا عن كاميرات البث المباشر) متفاخرا بمهمته الأمنية ومتباهيا بقدراته الترويضية، مثل كابوي أمريكي مميّز، مؤكدا نجاحه في جذب "الفلسطينيين" بعيدا عن التمرد على الاحتلال.

كلا الرجلين كان يتقن دوره: اوباما جعل الحضور يصفقون ودايتون جعل الحضور يضحكون!

ولمن لا يعرف دايتون، الذي لا يلاحظ كثيرا في وسائل الإعلام، لا بد له أن يتذكر كلوب باشا البريطاني الذي تميّز بزيّه البدوي

في الأردن منتصف القرن الماضي، ففي هذا الاستحضار التاريخي خير تصوير لهذا الغائب في صورته على الإعلام، الحاضر في انجازاته التي وقف يسطرها على منبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط.

ولمن لم يسبق له معرفة دور معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، وأدوار غيره من مطابخ الأفكار والاستراتيجيات الأمريكية (Think tanks) يكفيه أن يتدبر ما جاء في خطاب دايتون المذكور حول دور المعهد في مشروعه الأمني كمشروع من "نتاج جهد ثمين قام به الباحثون في هذا المعهد"، وأن يلاحظ دور عقيد احتياط في الجيش الأمريكي ومسئول كبير في المعهد، "في رسم الخطط الإستراتيجية المستقبلية" لفريق دايتون. ومن ثم يؤكد دايتون "أن معهد واشنطن أشهر مراكز الدراسات المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط، ليس فقط في واشنطن، بل في العالم أيضاً"، وأنه يقرأ تقاريره ويتحدث إلى "الأصدقاء والباحثين فيه حول قضايا هامة"، ويقول: "وأنا أعتمد عليها، وأشعر أحياناً أنني قد أفقد البوصلة من دونها".

هنا أتساءل: هل يدرك أبناء فلسطين ممن انخرطوا في تلك الأجهزة الأمنية أنهم اليوم ينفذون تلك "الخطط الاستراتيجية" الأمريكية التي ترسم بعيدا هناك في واشنطن ؟ وأن كل ما يقومون به هو "نتاج جهد ثمين" يتم في أروقة معهد واشنطن كما يصرح دايتون بلا مواربة ؟ وهل يعلمون أين تتم متابعة أعمالهم مما يؤكده دايتون في قوله "وإذا ما ذهب أحد إلى القنصلية الأمريكية في القدس في آخر الليل أو في عطلة نهاية الأسبوع، فسيرى بعض الأضواء في البناء. وغالباً ما يكون هؤلاء رفاقي" ؟ سؤال لا أود الإجابة عليه، لأن المقال يتحدث عن دايتون ومنجزاته، ومن ثم فإن أي استفزاز شعوري لا يخدم هذا المقال السياسي.

ولمن لا يعلم كيف تسقط نظريات الموضوعية في الأبحاث السياسية والأمنية عندما تصطدم مع المصالح السياسية، وبالتالي كيف يرسّخ ذلك المعهد منهجية التعامل بالمعايير المزدوجة، يكفي أن يستحضر العبارات التي نقلها دايتون عن الباحثين في ذلك المعهد: "إن القوانين السارية في لاس فيغاس لا يمكن العمل بها في الشرق الأوسط". وعند هذه الجملة المعبّرة، لا بد من وقفة تأمل من اؤلئك المضبوعين بالفكر السياسي الغربي، وهي تخرج عن سياق هذه المقالة.

من الواضح للمتابع أن ما يقوم به دايتون وفريقه هو في صلب ما خططت له أمريكا في خارطة الطريق (عام 2002)، فقد كان الموضوع الأمني بارزا في بنود المرحلة الأولى فيها والتي نصت على أن "يتم تنفيذ الخطة الأمريكية لإعادة البناء والتدريب واستئناف التعاون الأمني مع مجلس خارجي للإشراف، مكون من الولايات المتحدة ومصر والأردن، وذلك بالتنسيق مع اللجنة الرباعية". وأن "تبدأ أجهزة الأمن الفلسطينية، التي يعاد بناؤها ويعاد تدريبها، وأجهزة جيش الدفاع الإسرائيلي المقابلة إعادة مرحلية للتعاون الأمني والالتزامات الأخرى، كما تم الاتفاق عليه في خطة تينيت، وبما يشمل اجتماعات عادية على مستوى عالٍ وبمشاركة مسئولين أمنيين أمريكيين". وفي خطابه، بيّن دايتون مهمة مكتب التنسيق الأمني الأمريكي، الذي ظهر للوجود في آذار 2005، "كمجهود لمساعدة الفلسطينيين على إصلاح أجهزتهم الأمنية". ويؤكد دايتون حضور خارطة الطريق في أعمال فريقه عندما يقول "ونحن أيضاً على صلة وثيقة بصديق لي من هيئة الأركان المشتركة، العميد بول سيلفا، في القوى الجوية الذي يتابع ويراقب خارطة الطريق ويرسل تقاريره مباشرة إلى وزيرة الخارجية كلينتون".

وبالطبع، فإن مصالح أمريكا في حل الدولتين وأمن "إسرائيل" مسطرة في أحاديث ساستها: فقد صرح اوباما خلال الشهر الحالي أن قيام دولة فلسطينية يصب في مصلحة "إسرائيل". أما تصاعد لهجات الخطاب بين قادة "إسرائيل" وأمريكا فيذوب أمام قول دايتون "إن الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للانفصام لا اليوم، ولا غداً وستبقى إلى الأبد". وبالتالي فإن مصلحة "إسرائيل هي مصلحة أمريكا، ومن ثم يؤكد دايتون ذلك في قوله "المساعدة على حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة"، وفي إشارة إلى الرؤية الأمريكية المتمثلة في حل الدولتين منذ منتصف القرن الماضي يقول دايتون "وشكل هذا التوجه وعلى مدا طويل عماد سياسة قيادتنا القومية، وأنا أشاركها هذا التوجه".

إذاً، من الواضح أن ما جري ويجري من أعمال سياسية رسمية لم يخرج عن إطار خارطة الطريق والتوجهات الأمريكية، وبالتالي فلا يوجد أي مشروع سياسي على الأرض يمكن أن يتقدم اليوم خارج إطار تلك الخارطة. وهنا تسقط محاولات التهرب من السير على خارطة الطريق من قبل بعض قادة العمل الفلسطيني، لأن الحقائق على الأرض أقوى من الإدعاءات. وكل تقدم سياسي "رسمي" لا ينضبط بها لا يمكن أن تكتب له أمريكا النجاح.

وتلك الخارطة قامت على فلسفة "الأمن من أجل السلام". ومن هنا يؤكد دايتون هذه الفلسفة الأمنية-السياسية في خطابه في أكثر من موقع، فعندما يتحدث عن تفوّق نتائج فريقه يقول "وهي على صلة وثيقة بعنوان حديثنا: السلام عبر الأمن"، ويقول "بات بإمكان فريق الأمن الأمريكي الاستثمار في مستقبل السلام بين إسرائيل والفلسطينيين من خلال تحسين الأمن".

ومع مديحه للتقدم الملحوظ في أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، يُطمئن الحضور على أن تعزيز الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا يمكن أن يكون مبعث تهديد "لإسرائيل"، فيقول بكل وضوح: " تأكدوا من فهم هذا. نحن لا نقدم شيئاً للفلسطينيين ما لم يتم التنسيق بشأنه مع دولة إسرائيل وبموافقة إسرائيلية".

بل ويُرسخ ترويض الجيل الأمني الجديد بقوله "ما فعلناه هو بناء رجال جدد"، ومن ثم يجد عندها مناسبا أن يقتبس كلمات ضابط فلسطيني كبير يخاطب أفراد الأجهزة الجدد في حفل تخريج أمني خلال الشهر الماضي: "لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون إسرائيل". ويعقّب دايتون بقوله "ويا له من تغير، وأنا لا أتباهى بهذا، فقد جعل هذا التغيّر ضباطاً في الجيش الإسرائيلي يسألونني في أغلب الأحيان: كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع؟".

وقبل أن يصل دايتون إلى محطات الختام في خطابه، يقف عند مدينة الخليل ! "المكان الصعب" في تقدير دايتون، حيث "ساد فيه القانون القبلي وقانون الشريعة مكان القانون العلماني للسلطة الفلسطينية" كما يقول.

وفيها افتخر دايتون –كما أخبره محافظ الخليل- بالقبض على أربعة "لصوص" من "أقوى العشائر" فيها، واعتز أن جهوده أثمرت في ثني إرادة شيخ تلك العشيرة عن التمرد على القبض عليهم، كإنجاز أمريكي يفتخر به في واشنطن، في عرض يدعو للسخرية: وفي تقديري لو علم اولئك اللصوص مستوى الشهرة العالمية التي وصلوا إليها لتمنوا أن يقبض عليهم كل يوم !

هذا النهج الأمريكي في تقصّي منجزات الدولة الأولى في أشخاص، يذكّر بنهج تمثل في استراتيجية الأمن القومي لأمريكا التي نشرها الموقع الالكتروني للبيت الأبيض عام 2006، عندما تفاخرت وهي تستعرض نجاحات الجيش الأمريكي بذكر القبض على خالد الشيخ محمد. ومع الفارق في الأشخاص في الحاليين، فإن القاسم المشترك هو هبوط الجنرالات والاستراتيجيات الأمريكية إلى محاربة الأشخاص ومطاردتهم والتفاخر بالقبض عليهم، مع ما فيه من سخرية سياسية !

طبعا، في سياق حديثه عن الخليل، لم يشأ دايتون أن يفضح أمره ومشروعه الأمني ومشروع إدارته السياسي، بالحديث عن أن خريجيه قمعوا بالسلاح الحيّ مسيرة سلمية حصلت في الخليل في شهر 11/2007 رفضا لمسيرة أنابوليس، وسقط فيها أحد أهل الخليل برصاص الأجهزة الأمنية لأنه قال "لا للتطبيع في أنابوليس".

وطبعا لم يذكر دايتون أن خريّجيه حاولوا في نفس المدينة إلقاء القبض على كاتب هذا المقال في 27/8/2008 في محاولة لكمّ فيه عن التعبير عن موقفه السياسي، كما رصدت عدسة الإعلام. ولكنه لم ينس أن يؤكد أن سؤال "لماذا حقوق الإنسان مهمة في فلسطين؟" كان موضوع المقال الأكثر شعبية لدى 50% من كبار الضباط الفلسطينيين في الامتحان الذي أجري في دورة تدريب كبار القادة من أصحاب رتب الرائد والمقدم والعقيد.