الرئيسية - للبحث

 
بقلم حمد طبيب
 
قبل البداية في الحديث عن التغير المناخي (من ناحية فكرة)، من حيث الذي سبب الداء، ومن الذي يملك الدواء الناجع الشافي لعلاجه، لا بد بداية أن نقف عند حقيقة مهمة وهي: إن التغير المناخي الذي يهدد وجه الأرض ويسبب القلق لبني الإنسان ليس ظاهرة كما يدّعون ويكذبون إنما هو نتيجة حتمية لهذا المبدأ الشرير وأعماله الفاسدة على وجه الأرض بهدف تحقيق المكاسب المادية دون التفات إلى أثر ذلك على حياة بني البشر .
 
 فالظواهر الطبيعية معروفة منذ خلق الله الأرض ومن عليها وهي ضرورية لحياة الإنسان والنبات وكافة المخلوقات على وجه الأرض، ولا تتسبب بضرر دائم للإنسان، وذلك مثل دورة الشمس والقمر والفصول الأربعة، ونزول الأمطار وغير ذلك من المظاهر الطبيعية التي خلقت مع خلق الأرض .
 
أما هذا التغير الذي يحصل فإنه مخالفٌ لكل تلك الظواهر الطبيعية الربانية، بل إنه يتسبب بإيذائها وحرفها عن مسارها السليم الصحيح، وبالتالي يتسبب بأذىً كبير بالإنسانية على وجه الأرض !!..
 
وسوف نتناول هذا الموضوع من زاويتين؛ الأولى: أسباب هذه المفاسد التي يسميها الغرب كذباً ظواهر، والثانية: طريقة الخلاص منها والعلاج الصحيح للنجاة من شرورها ومفاسدها العريضة .
 
أما أسبابها فإن ذلك يقودنا إلى حقيقة كبيرة هي نظرة النظام الرأسمالي التي تتسبب بمثل هذه المفاسد العريضة، فالنظام الرأسمالي يركز أولاً على رأس المال – وهو أبرز ما فيه- حيث يركز على تكثيره وتنميته، وحيازته والانتفاع به بغض النظر عن الطريقة والأسلوب حتى ولو جلب الدمار والخراب على الإنسانية، حيث أعطى للإنسان مطلق الحرية في طرق الكسب والتنمية والانتفاع بهذا الكسب، واعتبر رأس المال وأصحابه هم محل تقدير واحترام، واعتبرهم كذلك جديرين بتسلّم زمام الأمور في الحكم وغيره .. !!
لذلك فإن الغربي في أمريكا أو في أي بلد أوروبي أو غيره ممن يدين بهذا النظام يركز همه على تكثير المال بأي وسيلة وأسلوب غير مكترث بالدمار والخراب الذي يلحق بالآخرين!!..
 
فكانت البنوك ثمرة لهذه النظرة، وكان الربا الذي يسلب الطبقة الكادحة أموالها وجهودها، وكانت الشركات الرأسمالية العملاقة ثمرة كذلك لهذه النظرة تتسبب بمصّ دماء العمال ومصّ دماء المستثمرين والمنتفعين لصالح طبقة معينة من أصحاب رأس المال، وكانت الحروب الطاحنة والصراعات الدامية من أجل فتح المجال أمام الشركات الرأسمالية لنهب المواد الخام، ومن أجل فتح الأسواق العريضة أمام تسويق السلع للشركات الرأسمالية ولأصحابها، وكان كذلك ابتكار طرق دنيئة للكسب من أجل جمع الأموال وتكثيرها مثل الاتجار بأعراض النساء وفتح شركات عالمية عابرة للقارات الخمس للاتجار بالرقيق الأبيض (كما يسمونه ويطلقون عليه)، وكانت أيضاً الشركات العملاقة للإعلام والدعاية والتي تنشر كل أنواع الفواحش عبر الفضائيات وعبر الإنترنت .. وغيره من وسائل تبتكر في كل ساعة !!.. وكان وكان مما لا يخطر على بال إنسان عاقل من وسائل همجية وبهيمية هابطة فقط من أجل تكثير رأس المال لأصحاب السطوة والمال والسلطة في بلاد الغرب.
 
وقد نتج عن هذه النظرة السقيمة وعن إطلاق الحريات في سبيل تحصيلها شرور كبيرة منها على سبيل المثال:-
1- التفاوت الطبقي الكبير في داخل مجتمعات رأس المال في بلاد الغرب، لدرجة أنك تجد أناساً يعيشون في بحبوحة واسعة من رغد العيش، وبجانبهم أناس لا يجدون قواماً وسدادا من عيش.
 
2- تسلط الطبقة الغنية على كل مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطمس الطبقة الكادحة حتى لا تكاد ترى لها أي تأثير في أي مجال في المجتمعات الرأسمالية.
 
3- تزايد أعداد الفقراء بشكل كبير، واتساع نسبة البطالة بسبب تركز رأس المال وعدم تفتته بين الناس، وازدياد أعداد الجياع في العالم بسبب شرور الحروب التي تصنعها الدول الرأسمالية من اجل السيطرة على منابع الأموال والأسواق.
4- تفاقم الأزمات المالية، والإنسانية والاجتماعية بشكل متزايد، مثل انهيار الشركات وانخفاض العملات، وارتفاع أسعار السلع، وكذلك تزايد أعداد المشردين واللقطاء وازدياد الأمراض بسبب ظاهرة الاتجار بالأعراض.
5- توسيع المشاكل الدولية والاقتتال بسبب سياسات الدول الرأسمالية وبالتالي توسّع دائرة المآسي الإنسانية والاجتماعية.
6- ما يحدث من خطر تغير المناخ وما يلحق وجه الأرض من ضرر كبير، سواء أكان بارتفاع درجات الحرارة أو بالإشعاعات الضارة أو بالتأثير على الأمطار وتوزيعها أو غير ذلك ..
فهذه الشرور كلها ومنها ما يسمّى (بظاهرة التغير المناخي) هي نتيجة حتمية لهذا النظام الفاسد الشرير ( الرأسمالية)، ولا يمكن أن تعالج آفة واحدة من هذه الآفات المهلكة إلا بالتخلي عن سبب البلاء الحقيقي ألا وهو النظرة للحياة وللإنسان ولمصير الإنسان، أي بالتخلي عن أساس النظرة في النظام الرأسمالي الشرير .. !!
 
فمثل هذه الاجتماعات التي عقدت في (الدانمرك) لمعالجة التغير المناخي، أو تلك التي عقدت في لندن قبل فترة قصيرة؛ والتي سميت باجتماع الدول العشرين لمعالجة الأزمة المالية، أو تلك التحذيرات التي تصدر عن منظمة الصحة العالمية وتنذر بتزايد عدد المصابين بالإيدز وبازدياد الإحصائيات السنوية والتي فاقت الأربعين مليون مصاب، وازدياد عدد اللقطاء والمشردين من الأطفال أو التي تصدر عن منظمة الأغذية المنبثقة عن الأمم المتحدة وتحذر من ازدياد عدد الجياع ليتجاوز المليار مع نهاية سنة 2009 ... أو تلك التي تصدر عن المحتجين في مظاهرات عارمة وواسعة أمام مقر الاجتماع لمؤتمر (كوبنهاجن في الدانمرك) ..أو تلك التي تحصل أثناء اجتماع أمريكا وروسيا لبحث ملف أسلحة الدمار الشامل والترسانات النووية.. فكل هذا وذاك لن ينفع البشرية بشيء، ولن يؤثر على أي قرار عند الرأسماليين المتنفّذين هنا وهناك في الدول الرأسمالية.
 
وإذا كان الأمر كذلك ولا فائدة من تصريحات المسئولين وتحذيراتهم أو احتجاجات المتظاهرين.. فما هو طريق النجاة أمام هذا الخطر المحدق ببني الإنسان ويهدد كل البشرية على وجه الأرض بالأضرار الجسيمة والمخاطر العظيمة؟!
إن طريق الخلاص والنجاة شيء واحد لا غير هو نبذ أساس الفساد والتخلي عنه، وأساس الفساد هو النظام الرأسمالي المادي الهابط الذي قدّس المال وأهمل القيم الإنسانية الأخرى، وأطلق الحريات لحيازة هذا المال بأي طريق حتى وإن جلب على البشرية الدمار والخراب، وإتباع نظام عرف للإنسانية قدرها وكرامتها ونظر للمال على أنه وسيلة لا غاية في الحياة، ونظر للإنسان وإنسانيته وكرامته بغض النظر حاز المال أم لم يحزه، وجعل التفاوت والتفاضل بين الناس على أساس القيم النبيلة الرفيعة لا على أساس المال والمنافع المادية .. وربط الإنسان بخالقه جل وعلا وجعل نظرة الإنسان مرتفعة إلى هذا الخالق لا إلى التراب والمكاسب والمنافع الماديّة .. وجعل العلاقة بين الناس تتفاضل على أساس القيم النبيلة العالية لا على أساس القيم المالية ورؤوس الأموال ..وجعل الإخوة بين الناس على أساس الارتباط بالخالق العظيم لا على أساس الطين والتراب؛ فالناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا اسود على ابيض ولا غني على فقير..
 
فإذا التزمت البشرية بهذا النهج الرباني العالي فإنها ستحل كل المشاكل الحاصلة على وجه الأرض ومنها ما تسمى بظاهرة التغير المناخي، وإلا فإن حال البشرية سيكون كحال السفينة التي تغرق شيئاً فشيئاً بسبب خرق في جدارها، والناس يعملون جاهدين على إخراج الماء من جسم السفينة دون أن يعملوا على سد الخرق الذي يتسرّب منه الماء ويتسع شيئاً فشيئاً حتى يكاد يشطرها إلى نصفين !!
 
إن كل ما يجري على وجه الأرض من شرور ومفاسد ليقرر الحقيقة الربانية القائلة: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، وقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }، وقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}.
 
نسأله تعالى أن يكرم امة الإسلام بدولة الإسلام التي تنقذها وتنقذ البشرية جميعا مما هي فيه من دمار وهلاك وضياع ...
2/1/2010