الرئيسية - للبحث

 

علاء أبو صالح

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

لم تكن العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية ممثلة بالفاتيكان وبين يهود علاقة وردية ومزدهرة مثلما هي الآن، فلطالما حمّلت تلك الكنيسة اليهود –بزعمهم- "دم" عيسى عليه السلام، ولطالما كانت العلاقة بين النصارى واليهود علاقة ندية عدائية لا تلتقي لا في منتصف الطريق ولا في أطرافه مما دعا البابا سفرونيوس أن يطلب من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما تسلم مفاتيح القدس أن يكتب للنصارى عهداً بأن لا يساكنهم فيها اليهود (ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود) فكانت العهدة العمرية، ولقد أخبرنا المولى عزوجل عن الجدل الدائر فيما بينهم وتسفيه بعضهم لرأي بعض بقوله سبحانه (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ).

 بيد ان الفاتيكان لم ينفك عن لعب دور السمسار والوسيط  والمروّج لمشاريع الطبقات السياسية منذ العصور الوسطى الى يومنا هذا، فلقد كان الفاتيكان أداة بيد الإقطاعيين يسوغ ظلمهم واستعبادهم للناس ونهبهم لأموالهم وقتلهم لمفكريهم باسم الدين والسلطة الروحية التي يزعمون امتلاكها، مما ولّد الثورة الفكرية التي جابت أوروبا فولّدت تيارين فكريين أحدهما يدعو الى انكار الدين وآخر يدعو الى فصله عن الحياة، وتكرر هذا المشهد عندما استغل السياسيون الدين لغزو بلاد الشام في حملاتهم الصليبية لتحقيق مطامعهم السياسية والإقتصادية فقاموا باستغلال الكنيسة لحشد الشعوب الأوروبية خلفهم باسم الكنيسة مما دعا نصارى الشرق للوقوف في وجه الحملات الصليبية بجانب المسلمين ادراكاً منهم أن الكنيسة والفاتيكان كانت مجرد أداة ومطية بيد السياسيين الذين لا يقيمون وزناً لأي ملّة أو دين، وتكرر هذا المشهد مرة أخرى عندما سخرت أمريكا الفاتيكان لخدمة مخططها في تدويل القدس في ستينيات القرن الفائت عندما قام البابا بجولات مكوكية للتمهيد لهذا المخطط الأمريكي آنذاك ولكنه بفضل الله باء بالفشل والخسران، وها هو البابا يكرر تبعية الفاتيكان للقوى الغربية الإستعمارية فيقوم بزيارة للأراضي المقدسة دعماً للمشاريع الإستعمارية ولكيان يهود باعتباره أبرز هذه المشاريع في المنطقة .إن الزيارة التي يقوم بها البابا للمنطقة تحمل في طياتها رسائل سياسية عديدة وكلها بلا استثناء رسائل مسيئة لأهل المنطقة من مسلمين ونصارى الشرق، وليس ذلك غريباً على بابا بدأ حياته البابوية بالإساءة للإسلام ورسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ولا زال يصر على اساءاته وغيه رافضاً مجرد الإعتذار من المسلمين على اساءاته المتكررة برغم أن الإعتذار لا يسمن ولا يغني من جوع، ومن جديد هذه الإساءات اعتباره-في لقاء مع المنظمات الأمريكية اليهودية في شهر شباط من السنة الحالية- الأراضي المقدسة مقدسة لدى النصارى واليهود فحسب متجاهلاً المسلمين أصحاب الحق في هذه الأرض المياركة والذين صانوا أهل الذمة فيها ومكنوهم من القيام بشعائرهم طوال عهد الخلافة الإسلامية على مرّ عصورها، ومن هذه الإساءات والإشارات المشينة أن يعتبر البابا زيارته للمنطقة وهو في الاردن وعشية دخوله مسجد الملك حسين ليجتمع بعدد من الشخصيات الإسلامية تجسد عمق العلاقة بين الكنيسة واليهود متجاهلاً أنه في بلد مسلمين وعلى اعتاب بيت من بيوت الله وكأنه يتحدث الى اليهود دون سواهم وكأن زيارته هذه تخص اليهود دون سواهم على خلاف زعم الأنظمة السياسية في المنطقة التي تحاول أن تجعل من هذه الزيارة زيارة "تاريخية!!" .إن الدلائل التي تكّرس تبعية الفاتيكان للقوى الغربية الإستعمارية مستعصية على الحصر، فلولا مخططات أمريكا ونظرتها بضرورة الإعتراف بيهودية فلسطين المحتلة ما قام البابا بهذه المباركة لهذا الكيان المغتصب ولما اجتمع مع رئيسهم واعترف باغتصاب هذا الكيان لفلسطين بل لكان طالب بتنفيذ العهدة العمرية وحفظ لنصارى الشرق حقهم في أن لا يشاركهم في سكنى ايلياء أحد من اليهود، ولولا خدمة المشاريع الغربية ما اجتمع البابا مع نتنياهو في ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في أشارة لا تخفى دلالتها على لبيب .

إن حكام المنطقة والأنظمة السياسية فيها شركاء في جرم تضييع فلسطين منذ ضياعها الى آخر رمق في المخططات الإستعمارية ولو كان في هؤلاء بقية من حياء او دين أو انتماء لشعوبهم لرفضوا زيارة البابا هذا ولقالوا له بملء الفيه لا أهلاً ولا سهلاً ولا مرحبا، لا أهلاً بمن أساء للإسلام ورسوله الكريم والمسلمين، ولا سهلاً بمن أقر بشرعية هذا الكيان المغتصب، ولا مرحباً بمن ناصر اليهود وانحاز لهم في صراعهم مع أهل المنطقة من مسلمين ونصارى الشرق .لكن أنىّ لهؤلاء أن يتشرفوا بمواقف العزة والكرامة وما كانوا في يوم من الأيام أهلاً لها ؟! وهل تقف الشعوب مواقف العزة عوضاً عن تخاذل الحكام والانظمة السياسية فترفض هذه الزيارة وتحاسب كل من مهد لها البسط وفرش لها الحفاوة أم تبقى ساكتة صامتة فتشارك هؤلاء في جرمهم وفعلهم الشنيع؟!