الرئيسية - للبحث
 
موقف عزة وتضحيات
“أبو وائل” شابٌ فضل أن يمضي 12 يوما في السجن
على أن يبوح بمعلومات عن الحزب
 
هذه قصة الشاب “أبو وائل”، أحد شباب حزب التحرير، الذي اعتقلته أجهزة السلطة الفلسطينية لا لذنب سوى أنّه اعتلى منبر رسول الله وصدع بالحق، ليمضي بعدها 12 يوما رافضا أن يعطيهم معلومات عن الحزب الذي انتمى له بعد قناعته برسالته العظيمة ليستعذب بعدها المشاق في سبيل حمل الدعوة، ويستهين بالسجن في سبيل المحافظة على جسم الحزب اللازم لإحداث التغيير المنشود. مستلهما قول سيدنا خبيب بن عدي الأنصاري:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً ** على أيِّ جنبٍ كان في الله مصرعي
نترككم مع القصة التي تغني تفاصيلها عن التعقيب.
اعتقال بسبب كلمة الحق وتعذيب
جاء اعتقال الشاب “أبو وائل” بعد صلاة الجمعة التي خطب خطبتها في بلدته، والتي دارت فكرتها حول أنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة الوسط والشهادة على البشرية منذ نوح عليه السلام وحتى قيام الساعة، وحول حكم العمل على تطبيق الإسلام في الأرض وإقامة حكم الله عليها، وبشرى رسول الله بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة ووعد الله بها، وحول مبشرات قرب إقامتها، والحملة المسعورة التي يقودها الكافر في طول بلاد الإسلام وعرضها لمحاربة عودتها في ( بنغلاديش وباكستان .. مروراً بالأردن وفلسطين ..) وبيّن كيف أن مصير هذا العمل الحاشد للكفار هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة وأن وعد الله آت.
بعد انقضاء صلاة الجمعة، ذهب عناصر من جهاز المخابرات إلى بيت “أبو وائل”   واعتقلوه ليمكث عندهم 12 يوما، 5 أيام منها في الزنزانة كحبس انفرادي يجبرونه فيها على الجلوس على كرسي طوال اليوم، في الليل والنهار، مع منعه من النوم.
وكعادة السلطة في السعي لإذلال السجناء، طلب السجانون من “أبو وائل” أن يقوم بتنظيف الحمام أثناء قيامهم بحملة تنظيف قبيل موعد زيارة الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان للسجن. إلا أنّ “أبو وائل” رفض ذلك رفضا قاطعا، فعزته تمنعه من أن يذل لهؤلاء، وعلى الرغم من إصرارهم على طلبهم وتدخل الضابط إلا أنهم لم يفلحوا في النيل من عزة “أبو وائل”.
أنا أخطب تطوعا لوجه الله
أكد “أبو وائل” للمحققين أن خطبته كانت لوجه الله، فهو ليس موظفا في وزارة الأوقاف، وهو يخطب تطوعا، ولذلك هو لا تصله خطبة مكتوبة كما تصل لخطبائهم، وهو يخطب بما يفتح الله عليه من كلمات الحق دون أن يلتزم بما ترسله وزارة الأوقاف لموظفيها.
وأكد لهم على أنّ اعتلاءه المنبر لم يكن بأمر من أحد من الحزب، وإنما جاء بناء على طلب من مسئول الوعظ والإرشاد في مديرية الأوقاف، وهو ما أزعجهم وما لم يكونوا يرجونه.
ولما تبين لهم أن كلام “أبو وائل” صحيح، وأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا به شيئا وحاله كذلك، خاصة بعد أن ذكر لهم ما جاء في الخطبة وهو ما لا يدينه حسب قانونهم الهزيل، فما جاء في الخطبة يعتبر من قبيل حرية الرأي في دستورهم.
لذلك بدأ التحقيق يأخذ منحى جديد، يتركز حول أفكار الحزب ومحاولتهم المستميتة من أجل الحصول على معلومات عن جسم الحزب.
حوار فكري ساخن
بدأ التحقيق يأخذ منحى جديداً فأخذ شكل الحوار في الأفكار، ومحاولة للحصول على معلومات عن جسم الحزب.
وفي سياق الحوار بالأفكار تحدث المحققون عن منع السلطة للحزب من عقد مؤتمر الخلافة برام الله، فقال لهم “أبو وائل”: هو أصلا حسب قانونكم مرخص ومسموح فكيف تمنعونه وتقولون أنكم لا تحاربون الحزب؟
المحقق: إنّ القانون الذي ذكرته صحيح لكنه مجتزأ لأنّ هناك قانون آخر صدر بخصوصه وهو أنه يحق للرئيس أو رئيس الوزراء ممثلا بوزير الداخلية أن يمنع أي اجتماع أو احتشاد ولا بد من أخذ الإذن من الداخلية.
“أبو وائل”: لو كان هذا صحيحا وقانونيا لنشر على الملأ، لكن لم يسمع به أحد. وعلى العكس من ذلك فقد كان هناك محامي وممثل عن مؤسسة الحق لحقوق الإنسان مع وفد الحزب الذي ذهب إلى محافظ رام الله والبيرة لتسليمه الإشعار، تأييداً منهم لحقه في عقد المؤتمر.
وأضاف “أبو وائل” قائلا: وحتى لو فرضنا صحة إدعائك بوجود قانون يمنعنا، فبأي حق تقفون في وجه دعوة الحزب، حزب يسعى لاستنهاض همم المسلمين في شتى أنحاء العالم لإقامة الخلافة وتحفيز جيوش المسلمين لتتحرك لتحرير فلسطين؟!! كيف تقفون في وجه هذا الحزب الذي يعمل لنصرة الإسلام والمسلمين وأنتم مسلمون، نعمل لنصرتكم ولا نطمع بسلطتكم التي ترزح تحت الاحتلال، بل نرى أن وجودها حرام.
المحقق: ما مدى نجاح الحزب وانتشاره رغم أنه موجود من الخمسينيات بينما حماس منذ 1988 وصار لها نجاح أكثر وأتباع كثر؟
“أبو وائل”: نجاح الحزب ماثل للعيان حيث انتشار فكرة الخلافة والعاملين لها في كافة أنحاء العالم ومؤتمرات الحزب ومسيراته شاهدة أيضا، وبإمكانك مراجعة مؤتمر اندونيسيا لترى مدى تأثير الحزب.
المحقق: ما سبب تسمية الحزب بحزب التحرير، لماذا التحرير وماذا يعني؟
“أبو وائل”: تحرير الأمة من كافة أشكال الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي واقتلاع نفوذه جذريا من بلاد المسلمين، والمهم نهج الحزب وعمله وفكره والتسمية ليست شرطا لازما.
المحقق: وبماذا يختلف الحزب عن باقي الحركات ( الإخوان، السلفية، الجهاد) ولماذا يهاجم الجميع ويرى نفسه وحده الصواب؟ فنحن أيضا مسلمون، لماذا ترون أنفسكم الأوصياء؟
“أبو وائل”: نحن نتميز عن الجميع بالتزامنا بنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالأحكام الشرعية في الفكرة والطريقة، ففكرة الحزب من الإسلام وطريقته من الإسلام وهذا ما نتميز به، وأما علاقتنا بغيرنا فنحن لا نهاجم ولا نشتم وليس عملنا الانتقاد وإنما بيان للأحكام الشرعية وفضح للمؤامرات التزاما بطريق الرسول صلى الله عليه وسلم (الصراع الفكري والكفاح السياسي).
المحقق: أنتم لا يوجد لكم أتباع سوى بالوراثة، كل شبابكم كان أهلهم من الحزب فأين تأثيركم؟
“أبو وائل”: أنت تقول ذلك، ولكن الحزب له تأثيره الواضح وقد ذكرت لك ذلك على مستوى العالم وليس على مستوى فلسطين فحسب.
عندما تتعلق الأسئلة بالمعلومات التكتلية!!
من يقرأ الحوار أعلاه قد يظن أن لكل سؤال جواب عند “أبو وائل”، هذا الكلام صحيح ولكنه فقط فيما يتعلق بالأفكار والآراء، أما عندما تتعلق الأسئلة بمعلومات إدارية أو تكتلية فلا جواب لها عند “أبو وائل”.
المحقق: هل تنتمي لحزب التحرير ومتى انتميت؟
“أبو وائل”: نعم والحمد لله أنتمي لهذا الحزب، ولكنني لا أذكر متى بالضبط.
المحقق: أنتم في الحزب مقسمون إلى: مؤيد، دارس، حزبي، فأين أنت منهم؟
“أبو وائل”: ما أعلمه أننا حملة دعوة وأنا من أول يوم دخلت الحزب أعلم أني حامل دعوة.
المحقق: من نظمك في الحزب وعلى يد من درست فيه؟ لا بد من وجود شخص نظمك أو كان حلقة الوصل لك مع الحزب من هو؟
“أبو وائل”: لن أذكر لك أسماء.
المحقق: ولكننا هنا جهاز أمني ويجب أن تذكر هذا الاسم وإلا فلن تخرج وستعطينا هذه المعلومة، ولماذا أنت خائف فأنتم معروفون لنا وسجلاتكم عندنا، ولكن يجب أن تجيب.
“أبو وائل”: لست خائفاً، وذكرت لك عني كل شيء وناقشتك بما شئت ومستعد لذلك قدر ما تشاء، لكن لن تخرج أسماء على لساني.
المحقق: ولماذا؟
“أبو وائل”: لأنه حرام وقد عاهدت الله أن لا أعصيه.
المحقق: لكننا هنا جهاز أمني ونريد هذه المعلومة.
“أبو وائل”: إن كنت جهازا أمنيا وتقول أنّ المعلومات عندك فهذه مهمتك ولا شأن لي بها والأسماء عندك كما تقول فلماذا تسألني إذا؟ ثم أنه حسب قانونكم الحزب ليس محظوراً فلا يحق لكم ملاحقة أفراده والسؤال عن هيكليته، وفوق هذا فأنا لن أذكر أسماء على لساني.
المحقق: إن لم تجب على السؤال فلن أملك لك من الأمر شيئا وربما ستطول إقامتك وستمكث طويلا حتى تجيب.
“أبو وائل”: أنا من أول يوم صعدت منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا أعلم أنه لا بد آت يوم سأكون فيه عندكم هنا.
المحقق: يعني جاهز؟
“أبو وائل”: نعم، الحمد لله، ويبدو أنّ من كتب لكم التقرير نسي أن يكتب ما ختمت به الخطبة من الدعاء والذي أختم به دائما خطبي.
المحقق: ما هو ذلك الدعاء؟
“أبو وائل”: اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك يا عزيز يا حكيم.
المحقق: لماذا تقولون عن عملنا أنه حرام ولماذا تقولون عن رواتبنا حرام، مع أن الكثيرين من حزب التحرير يتقاضون رواتب من السلطة وكثير منهم مديرو دوائر؟
“أبو وائل”: طبيعة العمل تحدد حكمه فأنتم الأجهزة الأمنية من إفرازات اتفاقية أوسلو فهي حرام فمالكم حرام، بينما الوظائف المدنية فهي موجودة قبل أن تأتي السلطة أصلا. 
التهديد والتخويف
بعد أن أدركوا صلابة أخينا “أبو وائل” الذي رفض أن يعطيهم معلومات عن الحزب وشبابه، بدؤوا بمحاولات التضليل والتخويف والتهديد.
ففي اليوم التالي جاؤوا به صباحا ليأخذوه للنيابة العسكرية ليمددوا حجزه 15 يوما إضافيا، فجاءه محامي الجهاز وعرف عن نفسه وصار يلح على “أبو وائل” بأن لا يرده خائباً لأنه معني بمساعدته وأخذ يحاول إقناعه بذكر الاسم قائلا له بأن ذلك ليس فيه أي شيء ولا أي ضرر سيلحق بأحد وإنما هو إجراء قانوني وإفادة يجب أن تكتب ثم يفرج عنه، وإلا فإنه لن يساعده أحد بعدها.
أما “أبو وائل” فكان جوابه: أصلا أنا ليست هذه قضيتي وإنما جاؤوا بي ظانين أني أصعد المنبر هكذا دون إذن ولما تأكدوا من تكليفي رسميا جاؤوا بهذه القصة التي لا علاقة لها باحتجازي هنا.
محامي الجهاز: ليس مهماً، أجب بأي اسم، ولماذا الخوف فهم معروفون (شباب الحزب) وهذا أفضل لك وأنا أريد أن أساعدك وسيتهمونك ويتركوك في السجن، أتدري ما هي تهمتك (وكان يحمل ورقة لائحة الاتهام).
“أبو وائل”: ما هي؟
محامي الجهاز: تشكيل مليشيات مسلحة.
“أبو وائل”: الله أكبر، وكيف لي هذا وأنا أصلا بحياتي لم أحمل السلاح ولا أعرف استخدامه، أثبتوا ذلك إن استطعتم.
محامي الجهاز: لا تخف سيثبتون، أذكر الاسم وأنه المسألة.
“أبو وائل”: لست خائفا ولن أذكر اسما على لساني.
فغضب وأكملوا المسير نحو النيابة.
وعند الوصول إلى النيابة العسكرية، جلس “أبو وائل” إلى المدعي العسكري، فقال ل”أبو وائل” بعد أن كتب الإفادة، هل تعلم ما هي تهمتك؟
“أبو وائل”: ما هي؟
المدعي العسكري: تشكيل مليشيات مسلحة.
فضحك “أبو وائل”، وقال له: ألم تكتب أني من شباب حزب التحرير ألا تعلم ما هو؟
المدعي العسكري: نعم حزب كلام فقط.
“أبو وائل”: وهذا عمل الأنبياء دعوة إلى الله باللسان، عمل فكري، أولا يعجبك؟!!
المدعي العسكري: أنا لم أقل هذا ولكنكم فقط تكثرون الكلام.
“أبو وائل”: أليس عمل الأنبياء كان كلاما؟
المدعي العسكري: لكن رسول الله قاتل وأنتم؟
“أبو وائل”: رسول الله لم يستخدم القوة المادية لإقامة الدولة والتزم بالصراع الفكري والكفاح السياسي، ثم لا أعلم ما هو هذا القانون الذي تتلاعبون به وتسوقون التهم للناس لتبرروا احتجازهم.
فسكت ولم يجد ما يرد به.
وكالعادة قرار بتمديد التوقيف، وأعيد إلى مقر المخابرات.
 
لن أتخلى عن أي عمل من أعمال حمل الدعوة
ومرة أخرى عادوا للتحقيق حول الاسم الذي يريدونه، وقاموا بتهديده بالضرب والتكسير لعلهم يرهبونه، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل وبقي “أبو وائل” ثابتا يرفض أن يذكر أي اسم أو معلومة قد تضر الحزب وشبابه.
وسجلوا إفادته دون أن يذكر ما يريدونه، ثم طلبوا منه التوقيع على تعهد بأن لا يشتم السلطة وأن يلتزم بالخطبة الرسمية، فرفض ذلك جملة وتفصيلا.
وبعد 12 يوما قرروا الإفراج عنه.
وبينما يستعد “أبو وائل” للخروج، سألوه فيما إذا كان سيوزع بيانات الحزب عندما يخرج.
“أبو وائل”: لن أتخلى عن أي عمل من أعمال حمل الدعوة.
السجان: وهل البيانات هي من أعمال حمل الدعوة عندكم؟
“أبو وائل”: نعم.
السجان: يبدو انك لن تمكث طويلا بالخارج وأنت بهذه العقلية وهذا العناد وستعود إلينا عما قريب.
ولكن الفرج بيد الله وحده، فخرج أخونا “أبو وائل” سالما لا يضره شيء بعد أن ملأ سطر صفحات بيضاء تنفعه يوم القيامة حين اللقاء.
23-3-2011