الرئيسية - للبحث

 

شباب حزب التحرير في مخيم البريج يعقدون محاضرة بعنوان: ماذا يعني تحكيم الشريعة؟

عقد شباب حزب التحرير في مخيم البريج وسط قطاع غزة، بعد صلاة عشاء يوم الثلاثاء 7-2-2012م محاضرة في مسجد الرحمن بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وذلك تحت عنوان: ماذا يعني تحكيم الشريعة؟

وقد رد المحاضر على تقولات بعض العلمانيين ومن لف لفهم والذين يقولون أن وجود مادة في الدستور تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن مبادئ الشريعة هو المصدر الرئيس للتشريع، يعتبر كافيًا لاعتبار الدولة إسلامية وأن الشريعة مطبقة ولا حاجة للدعوة إلى الحكم بالإسلام.

وحول معالم معنى تحكيم الشريعة تحدث المحاضر عن أربع معالم:

 تحكيم الشريعة معناه: التشريع حقّ الله الخالص:

(  يقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وفي ذلك يختلف النِّظامُ الإسلامي عن الأنظمةِ الوضعيَّة في الأرض جميعًا؛ إذ يقوم البشرُ بمهمَّة التشريع بشكلٍ جماعي (كما في الديمقراطية)، أو بشكل فردي (كما في الدكتاتورية)[2]، وحين يكون التشريع حقًّا خالصًا لله فإنَّه لن يكونَ هناك مصلحةٌ لمجموعة مِن البشر على حسابِ مجموعة أخرى في هذا التشريع، ولن يشوبَه عيوبُ "الجهل" و"الهوى" كما تشوب هذه العيوبُ كلَّ تشريع بشريٍّ؛ لأنّ الإنسان حين يضَع منهجًا لحياته منفردًا دون استرشاد بوحيٍ ربَّاني، فإنَّه بالضرورة "جاهل" لا يُدرك كلَّ جوانب الجزئية التي يضَع لها المنهج وارتباطاتها، وصاحِب "هوى" يَميل إلى تحقيقِ رَغباته وأهوائه ومصالحه مِن هذا التشريع، مهما زعَم مِن نزاهة وعدَالة!)

 والمعلم الثاني: التزام الحاكِم والمحكوم بما أنْزَل الله:

 (الحاكِم مأمورٌ بتطبيقِ شرْع الله في المحكومين؛ أي: بوضعه موضعَ التنفيذ وبالعدل المطلوبِ منه، والمحكوم مأمورٌ بطاعة هذا الحاكِم فيما يُطيع الله ورسولَه - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 وفي العَلاقة بيْن الحاكم والمحكوم يتفوَّق النِّظامُ الإسلامي بدرجاتٍ على النِّظام الديمقراطي، الذي يجعل مِن محاسبة الحكام "حقًّا" يُعطَى للأمَّة، فجعل الإسلامُ محاسبةَ الحكَّام إنْ خالفوا شرْع الله (الدستور أو القانون الأساسي) "واجبًا" على الأمَّة، وليس مجرَّد حقٍّ لها! واجبًا تتعبَّد بالقيام به تُجاهَ الحاكم؛ ((إذا رأيتُم أُمَّتي تَهاب أن تقولَ للظالِم: يا ظالم، فقد تُودع منها))؛ رواه الإمام أحمد في مسنده.)

 (وهنا يَتجلَّى دَور ما يمكن تسميتُه "بالسلطة الرقابيَّة" التي يتميَّز بها النظام الإسلامي بشكلٍ واضح، فاستقراء الممارسة الراشِدة في عهدِ الخلفاء الراشدين يُطلعنا على الكثيرِ مِن المواقف التي مارَس بها الصحابةُ دَورَ هذه السلطة التي تأطر الحاكمَ على الحق وتُدخِل الأمَّة في تطبيق أحدِ أهمِّ أسس النظام الإسلامي، وهو "مشاركة الأمَّة".)

 وعن المعلم الثالث: مشاركة الأمَّة:

 

(تَتحقَّق مشاركةُ الأمَّة في النِّظام الإسلامي كونها هي التي تمتلك السلطان, ولها حق المحاسبة للحاكم, وعليها واجب الطاعة, وعن طريقِ الشورى التي يمارسها الحاكم مع الأمة, وبهذا تحققَ مصالح الأمَّة بمختلف الطُّرق؛ سواء أكان ذلك بالمحاسبة أو الشورى أو حتى عَزل الحاكم، أو غيرها مما يُحقِّق مصالح الأمَّة، ويَضمن حقوقَها في إقامةِ شَرْع الله والعدْل مِن قِبل الحاكم، وتتحقَّق كذلك عن طريقِ الشورى.

 ونقيض "المشاركة" للأمَّة هو "الاستبداد"، وهو مؤدٍّ لا محالةَ إلى اللامبالاة وفقدان الانتماء وعدَم التفاعُل مع الأوضاع العامَّة والاهتمام بها؛ ولذلك كان التركيزُ الشديد في النُّصوص القرآنية والأحاديث الشريفة، وفي السِّيرة النبويَّة على مفهومِ "الشورى" ومشارَكة الأمَّة في الأوضاع العامَّة، ممَّا ظهر جليًّا في الخِلافة الراشدة مع نماذجَ كثيرة ناصعة، ولكنَّ المشاركة وحدَها لا تكون على الوجه المطلوب دون وجودِ عنصر هامٍّ جدًّا في النظام الإسلامي، هذا العنصر هو "الهُويَّة".)

 المعلم الرابع : هُويَّة تجمع الأمَّة:

 ومما تحدث به:

(الهُويَّة الإسلاميَّة للأمَّة والاجتماع عليها أحدُ أهمِّ أسس النظام الإسلامي؛ ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

 هُويَّة واضحة ناصِعة لا تشترك مع غيرِها من الهويَّات في استقطابِ الأمَّة، فتتوحَّد وجهتها ويتعزَّز انتماؤها، وحين يكون النِّظام الحاكِم ذا هُويَّة إسلاميَّة أصيلة يتعزَّز انتماؤه للأمَّة وانتماء الأمَّة له؛ لأنَّ الهويَّة الإسلاميَّة هي الهويَّة الأصيلة لهذه الأمَّة منُذ وُلِدت؛ ولأنَّها هي التي حفِظتِ الأمَّة من الاغتراب الشامل عنِ الأوضاع العامَّة لقرون طويلة، وحالة التلاحُم والفاعليَّة التي تنشئها الهُويَّةُ الإسلاميَّة المشتركة بيْن الأمَّة والنِّظام الذي يحكمها، لا يستطيع إنشاءَها أيُّ نظام آخَر يحمل هويَّةً دخيلة على الأمَّة؛ ولهذا فَشِلَتِ التجربة "القومية" في تحقيقِ النهضة لهذه الأمَّة، وفشِلتِ المدنيَّات ذات الهُويَّة "الوطنية" في القضاء على حالة "الاغتراب" التي تُعاني منها الأمَّة الإسلاميَّة في هذه البلدان؛ لأنَّها تُحدِث فراغًا اجتماعيًّا ينشأ بسببِ اعتلاء هُويَّات دخيلة على كيان الأمَّة، ممَّا يعزل الفردَ عن الهموم العامَّة ويحصره في همومِه الذاتية؛ لأنَّ الهُويَّة الدخيلة لا تحقِّق ذلك الاستقطابَ والجذْب الذي تحقِّقه الهُويَّةُ الإسلاميَّة، والتي هي الهُويَّة الأصيلة لهذه الأمَّة.)

  واختتم المحاضر محاضرته بقوله:

(تلك أُسس أربعة للنِّظام السياسي الإسلامي، ولمعنَى "تحكيم الشريعة" في حقيقةِ الواقع، لا كما يُريد العلمانيُّون أنْ يُصوِّروا لنا تطبيقَ الشريعة وكأنَّه شيءٌ مبهَم لا حقيقةَ واضحة له تارَة، أو أنَّه مجرَّد تطبيق شكْلي للحدود دون وجودِ منظومة تحكُم علاقةَ الحاكم بالمحكوم، وتَضبط سياساتِ الدولة الداخليَّة والخارجيَّة تارةً أخرى.

 

ويَصعُب حصْر كلِّ معاني تطبيق الشريعة في هذا المقام، ولكنَّني أقول: إنَّ كلَّ جزئيَّة مِن جزئيَّات الحياة البشريَّة يَنبغي أن تنضبطَ بضوابطِ الشريعة، وذلك هو مقتضى الإيمان بالله الواحِد، وإلاَّ فلا إيمانَ إن نحَّيْنا شريعةَ الله عن الحُكم واستبدَلْنا بها شرائعَ ودساتير جاهليَّة مِن وضْع البشر لنتحاكم إليها، وإنَّما الواجِب هو التسليم بحُكم الله تعالى والقِيام بتطبيقه في كلِّ ما يشجر بيْن الناس، سواء في الحياة العامَّة أو في الحياة الخاصَّة، وهذا هو المعنى الحقيقي لتطبيقِ الشريعة؛ ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. )

8-2-2012م