الرئيسية - للبحث

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

استراتيجية أمريكا في أفغانستان

 

السؤال:

في 2017/8/15م وجهت حركة طالبان رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي تدعوه إلى سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وليس إلى المزيد من القوات الأمريكية: (دعت حركة "طالبان" رئيس أمريكا دونالد ترامب، إلى "سحب قواته بالكامل" من أفغانستان، وحذّرته في رسالة مفتوحة من الإقدام على زيادة عدد القوات الأمريكية في هذا البلد العصي على واشنطن...) (المصدر: نوفوستي - أر تي - روسيا اليوم، 2017/8/15م). وذلك رداً على ما ينويه ترامب من استراتيجية جديدة في أفغانستان تخشى طالبان منها أن تتضمن إرسال قوات جديدة، حيث تصاعدت التصريحات من مسؤولي البيت الأبيض عن قرب هذه الاستراتيجية الجديدة... فقد نقل الموقع المذكور في 2017/8/10م قول ترامب للصحفيين (إن إدارته "قريبة جدا" من تبني استراتيجية جديدة خاصة بأفغانستان...)، وأضاف: (إنه قرار كبير جدا بالنسبة إلي. إنني ورثت الفوضى، ونحن نسعى لتقليلها بشكل ملموس)... فهل يعني كل ذلك أن أمريكا جادة في وضع استراتيجية جديدة في أفغانستان؟ وهل ستتضمن إرسال قوات جديدة أو تنشيط الدور الباكستاني أو الهندي في أفغانستان دون إرسال قوات جديدة أمريكية؟ وجزاكم الله خيرا

 

الجواب:

نعم، يمكن القول بأن أمريكا اليوم تقوم بمراجعة حثيثة لاستراتيجيتها في أفغانستان، لعلها تجد ما يرشدها إلى ما تسميه "المرحلة الأخيرة" لتدخلها في أفغانستان... إن ترامب غاضب على القيادة العسكرية في أفغانستان، فقد ذكرت رويترز 2017/8/3 أنباء اجتماع عاصف بين الرئيس الأمريكي ترامب ومسؤولين عسكريين في واشنطن: (وثار توتر شديد خلال الاجتماع حين قال ترامب إن على وزير الدفاع جيمس ماتيس ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد دراسة إقالة الجنرال جون نيكولسون قائد القوات الأمريكية في أفغانستان لأنه لم يفز بالحرب)، وهكذا فإن ترامب يبدي شكوكاً حيال الحرب الأمريكية في أفغانستان، وإذا كانت إدارة أوباما هي الأخرى قد راجعت وعدّلت في الاستراتيجية الأمريكية لأفغانستان، إلا أن المراجعة التي تجريها إدارة ترامب اليوم لها خصوصية كون هذه المراجعة تجري في ظرف تتفاقم فيه المشاكل الدولية لأمريكا ولمكانتها في العالم، ويمكن تفصيل ذلك على النحو التالي:

 

أولاً: أعلنت أمريكا حربها على أفغانستان أواخر 2001 تحت ذرائع الرد على هجوم 11 أيلول/سبتمبر، وكان ذلك بدفع من المحافظين الجدد الذين أحاطوا إدارة بوش الصغير. وبعد أقل من عامين هاجمت أمريكا العراق واحتلته، وغرقت في رماله وصارت تستنجد للخروج، وبغرق أمريكا في العراق فقد أصبحت حربها في أفغانستان أقل شأناً، فركزت جهدها للخروج من المستنقع العراقي، بعدما أصبح العراق والمقاومة العراقية هي الشغل الشاغل لإدارة بوش وبعدها إدارة أوباما. وبنجاح إدارة أوباما في إخراج جل القوات المقاتلة الأمريكية من العراق أواخر 2011، فقد أخذت أمريكا تبني استراتيجية جديدة للتعامل مع صعود الصين، وهيمنت هذه المسألة على الفترة الثانية من إدارة أوباما، وقبل أن تكتمل ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية، بل وأثناء إعدادها وبلورتها، فقد وجدت أمريكا نفوذها في المنطقة العربية يتزعزع أمام ثورات الربيع العربي، خاصة في سوريا، فأصبحت أمريكا توزع جهدها على مكافحة مخاطر الثورات في المنطقة العربية، خاصة سوريا، وكذلك ضد الصين في الشرق الأقصى، فأظهرت رفضها للجزر الصينية وعملت على إحياء العسكرية اليابانية، وسارت على طريق الاستفزاز لكوريا الشمالية. وبهذا الواقع، وبسبب كون الخسائر الأمريكية في أفغانستان من النوع المتوسط، فقد ابتعدت أفغانستان وحرب أمريكا فيها عن مركز التنبه الأمريكي، وإن كان ذلك لا يعني إهمالاً كبيراً بقدر ما يكشف عن حقيقة أن أولويات جديدة أصبحت لها الصدارة في مركز التنبه الأمريكي.

 

ثانياً: وخلال سنوات الحرب الطويلة (16 عاماً) في أفغانستان فإنه يمكن الجزم بأن الجيوش الأمريكية والأطلسية التي تشاركها الحرب قد فشلت فشلاً ذريعاً في استئصال المقاومة الأفغانية، المتمثلة بالدرجة الأولى في حركة طالبان، التي أقصيت عن الحكم سنة 2001 بحكم التدخل الأمريكي. ويمكن الجزم كذلك بأن كافة الخيارات الأمريكية لاستقرار عملائها في أفغانستان قد باءت هي الأخرى بالفشل، فلم تنفعها الهند التي أدخلتها إلى أفغانستان على صعيد وقف ما تسميه أمريكا بالتمرد، ولم تنفعها كثيراً الحرب التي يشنها عملاؤها في باكستان على وزيرستان وغيرها لمحاولة تخفيف وطأة خسائر أمريكا في أفغانستان، ولم تتقدم جهود المصالحة مع حركة طالبان. لذلك فإن وضع أمريكا في أفغانستان يبدو قاتماً للغاية بعد 16 عاماً من حربها فيها، فحركة طالبان تتحرك بحرية كبيرة في مناطق واسعة من أفغانستان، ولا تملك الحكومة العميلة في كابول أي نفوذ عليها، وتقوم الحركة بشن هجمات قوية ومرعبة في معظم المناطق الأفغانية بما في ذلك العاصمة كابول، التي لم ينجح الجيش الأمريكي في فرض الأمن فيها، بل إن هجمات كثيرة قد شنت ضد القوات الأمريكية كان مصدرها أفراد الجيش الأفغاني الذي تدربه واشنطن، وبذلك فقد ضاقت الخيارات الأمريكية في أفغانستان.

 

وفي وصفه للواقع الأفغاني اليوم ومخاطره يقول تقرير مؤسسة كارنيغي الأمريكية 22/5/2017 (إن المزيج الناتج عن ضعف النظام الأفغاني وعودة حركة طالبان دون ضابط يمكن أن يؤدي إلى انهيار كارثي للنظام والحكومة الأفغانية، مما يؤدي إما إلى العودة إلى الفوضى أو تجدد الجماعات الإرهابية)، ذلك التقرير الذي يشدد على وجوب إنهاء الصراع الأفغاني ليس فقط لأنه يكلف أمريكا 23 مليار دولار سنوياً، وإنما بسبب ضيق الخيارات المطروحة للحل في أفغانستان.

 

وعلى الرغم من انسحاب الكثير من الجيوش الأمريكية من أفغانستان إبان حكم الرئيس أوباما، إذ لم يبق لها سوى نحو 10 آلاف جندي، يؤازرهم 3 آلاف جندي من حلف شمال الأطلسي، وكذلك 20 ألف جندي من شركات أمنية أمريكية، إلا أن ذلك الانسحاب لم يكن أبداً ناتجاً عن أي انتصار، أو إحراز أي تقدم، فقد كانت حركة طالبان تحتل القواعد التي يخليها الجيش الأمريكي بسرعة، ولا يبدو أن جيش الحكومة الأفغانية العميلة يعمل بأي فعالية خارج العاصمة كابول رغم كثرة عدده، وكثرة الجهود الأمريكية لتدريبه، هذا من ناحية عسكرية.

 

ثالثاً: وأما من ناحية سياسية، فبعد أن أدركت أمريكا ضيق خياراتها في أفغانستان، وإفلاس الخيار الهندي، لجأت إلى مفاوضة حركة طالبان على أمل إدماجها في الحكم الأمريكي في أفغانستان، واستخدمت عملاءها في الحكم في باكستان لجر قادة حركة طالبان إلى التفاوض... ومع ذلك فقد فشلت كل تلك المحاولات، فلم تنجح أمريكا عسكرياً ولا سياسياً في موضوع أفغانستان، بل لا يُوجد لدى أمريكا خطة محددة لهذا الموضوع، وأصبحت مجالاً للانتقاد لافتقارها لمثل هذه الخطة في أفغانستان. (نقلت وكالة "إنترفاكس" اليوم الخميس عن مصدر في الخارجية الروسية قوله إن عجز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن طرح سياسة واضحة إزاء أفغانستان يشكل عاملا إضافيا للغموض وعدم الاستقرار في هذه البلاد، مضيفا أنه يتوقف على ذلك مدى متانة الدولة الأفغانية ومواقف الدول الأعضاء في حلف الناتو بشأن وجودها العسكري هناك، وآفاق تسوية الأوضاع في البلاد على وجه العموم...) (روسيا اليوم، 2017/8/3).

 

رابعاً: وبهذا يتضح عمق الأزمة الأمريكية في أفغانستان، ويتضح ضيق خياراتها، ولكنها في أمس الحاجة إلى تبريد الحرب الأفغانية، إن لم يكن ممكناً إنهاؤها كلياً، وذلك لوقف نزيف طاقاتها العسكرية والاقتصادية. فبعض القادة العسكريين يرون ضرورة زيادة القوات الأمريكية لتحقيق النصر على حركة طالبان، والرئيس يشترط لقبول ذلك برنامجاً زمنياً غير طويل ونتائج واضحة وملموسة، الأمر الذي لا يستطيع العسكريون تقديمه نظراً لتجاربهم المريرة في أفغانستان على مدار 16 عاماً، والذي يجعل هذا الخيار مطروحاً من الناحية النظرية هو لعاب ترامب الذي يسيل للثروة المعدنية الهائلة في أفغانستان التي تقدر أمريكا قيمتها بترليون دولار، بالإضافة إلى موقعها كممر للنفط من آسيا الوسطى، فقد نقل موقع صحيفة الدستور 2017/7/26 عن النيويورك تايمز (وأضافت أنه لاستكشاف الاحتمالات، يدرس البيت الأبيض إرسال مبعوث له إلى كابول للقاء مسئولي التعدين هناك، لافتة إلى أنه في الوقت الذي دخل فيه البيت الأبيض الأسبوع الماضي في جدال متعنت على نحو متزايد حول سياسة أفغانستان، التقى ثلاثة من مساعدي ترامب البارزين مع مايكل إن سيلفر أحد المديرين التنفيذيين لشركة "أمريكان إليمنتس" الكيماوية، لمناقشة إمكانية استخراج المعادن الأرضية النادرة هناك). ولكن خيار إرسال المزيد من القوات والاستثمار في البنية التحيتة في أفغانستان مثل سكك الحديد والطرق لجعل استخراج تلك المعادن ممكناً، ليس خياراً آمناً حتى بنظرة الصفقات التجارية التي تسيطر على عقلية الرئيس نظراً لوقوع تلك المناجم المحتملة في الأراضي التي تسيطر عليها حركة طالبان...

 

وبناء عليه فإن الخيار الذي يرجح أن تسلكه إدارة ترامب هو انكفاء الجيش الأمريكي إلى القواعد العسكرية في أفغانستان للحفاظ على الحكومة العميلة ومنع انهيارها، مع دفع كبير لباكستان وإعادتها إلى أفغانستان بعد إفلاس الهند، كل ذلك لإقناع حركة طالبان بالاندماج في النظام السياسي الأمريكي في كابول ووقف الثورة الأفغانية، أي إنهاء الحرب الأمريكية الأطول... وهكذا فإن أمريكا تأمل أن تقلل بقوة من تكاليف حربها في أفغانستان عبر تحويل وجودها إلى قواعد عسكرية تتحرك عند الخطر، فتكون أشبه بقواعدها في منطقة الخليج، بالإضافة إلى مساعدة عملائها في باكستان التي لم تنقطع خيوطهم مع حركة طالبان، ومن الممكن إعادة الحيوية لها وبناء الثقة حتى تقبل طالبان بالشروط الأمريكية عبر البوابة الباكستانية. وقد سبق لأمريكا أن استعملت عملاءها في باكستان بنجاح في عهد أوباما فقد (توصلت الحكومة الأفغانية إلى اتفاق مع الحزب الإسلامي، ثاني أكبر جماعة متشددة في البلاد، في غياب زعيم الجماعة، قلب الدين حكمتيار. ووقع الاتفاق ممثلون عن الجماعة المسلحة مع الرئيس، أشرف غني). ( بي بي سي، 2016/9/22) وهذا ما يشجع أمريكا لاستعمال باكستان في موضوع طالبان وبخاصة ما كان من حكمتيار بعد المصالحة وعودته إلى كابل حيث دعا حركة طالبان للاندماج في النظام السياسي (طالب زعيم الحزب الإسلامي بأفغانستان قلب الدين حكمتيار حركة طالبان بالانضمام للمصالحة مع الحكومة الأفغانية، وحث في أول خطاب جماهيري له بعد وصوله إلى كابل الحركة على المساعدة في إخراج القوات الأجنبية من البلاد بالطرق السلمية.) (الجزيرة نت، 2017/5/6).

 

خامساً: والظاهر أن أمريكا وأمام المخاطر الكبرى التي تواجهها في حوض الصين لا سيما الوضع الذي تزداد سخونته يوماً بعد يوم مع كوريا الشمالية، واستمرار المخاطر في سوريا، وكذلك فشل كافة السياسات الأمريكية في إنعاش فعلي للاقتصاد، هذا من جانب، ومن جانب آخر وبسبب إنهاك الجيش الأمريكي في أفغانستان واليأس من تحقيق النصر بالإضافة إلى إفلاس الدور الهندي على المستوى الأفغاني المحلي، والأمل الذي برز بعودة حكمتيار، الظاهر من كل ذلك أن أمريكا تأمل بتحقيق مصالحة على طريقتها تضمن لها ما لم تستطعه بالحرب، لذلك قررت العودة إلى تنشيط الدور الباكستاني في أفغانستان والتخفيف من الهجمات الباكستانية سواء أكان ذلك في الداخل أم كان على الحدود مع أفغانستان، فخلال عهد القيادة العسكرية الجديدة برئاسة باجوا منذ نحو ثمانية أشهر فإن الساحة الباكستانية قد خلت من العمليات الكبيرة كتلك التي اشتهر بها سلفه راحيل شريف مثل عمليات "ضرب عضب" بمراحلها المختلفة ضد من أسماهم راحيل بـ"الإرهابيين" على الحدود مع أفغانستان، بل إن اشتباكات خفيفة صار يسمع لها صوت بين الجيش الباكستاني والهندي على الحدود الكشميرية أثناء قيادة الجنرال باجوا. وذلك لا شك يعزز من قبوله داخلياً، وعلى صعيد قادة حركة طالبان.

 

وكذلك فقد سعى قائد الجيش الباكستاني الجديد باجوا لمد يد التعاون إلى أفغانستان تحت عنوان مكافحة تنظيم الدولة، أي إعادة محورة مفهوم "الحرب على الإرهاب" من قتال حركة طالبان والمجاهدين في وزيرستان إلى جهة تنظيم الدولة، وهذا التوجه يشمل الحكومة الأفغانية، ويشمل القبائل الباكستانية الناقمة على سلفه راحيل، والمخفي أعظم في محادثاته (باجوا) مع حركة طالبان-أفغانستان (مد قائد الجيش الباكستاني، قمر جاويد باجوا، يد "التعاون الأمني" مع أفغانستان، لمواجهة تهديد تنظيم الدولة، في تطور نادر للعلاقات الثنائية بين الدولتين الجارتين. وجاء سعي الجنرال باجوا لبدء تعاون أمني مع أفغانستان، خلال لقاء جمعه، الجمعة، مع عدد من قادة القبائل في وادي كُرّم "تقسيم إداري يقع في مناطق القبائل المدارة اتحادياً في باكستان"، قرب الحدود الأفغانية. وناشد قائد الجيش الباكستاني، في تطور نادر للعلاقات الثنائية مع كابول، الجميع في البلدين "الاتحاد واليقظة". وتابع خلال لقائه بقبائل وادي كرم "يتعين علينا أن نكون متحدين، ومستعدين، ومتيقظين ضد هذا التهديد.."). (الخليج أون لاين، 2017/7/1).

وما يؤكد أن أمريكا قد عجزت عن تجاوز المجاهدين الأفغان خاصة حركة طالبان، تصريحات الرئيس الأفغاني التصالحية بعد قمة ترامب في السعودية، فقال (وما هو أهم أن الحكومة الأفغانية تريد المصالحة، ونرجو من «طالبان» أن يخيروا، فلو انتخبوا الصلح فسيحصلون على كل ما يريدونه عن طريق السياسة والقانون، ونحن نرجو من «طالبان» أن تبتعد عن الإرهابيين.) (الشرق الأوسط، 2017/5/25)، فهذا يؤكد أن السياسة الأمريكية تريد إيهام حركة طالبان بأنها خارج نطاق الحرب الأمريكية على "الإرهاب"، بل عليها أن تصطف مع الحكومة الأفغانية في هذه الحرب، ثم إن مطالب طالبان بخروج القوات الأمريكية بالكامل من أفغانستان يمكن أن تتحقق عن طريق السلام وليس الحرب.

سادساً: والخلاصة فإن استراتيجية الرئيس ترامب في أفغانستان يتم مراجعتها في ظرف تواجه السياسة الأمريكية فيه مخاطر جمة حول العالم، وعلى ضوء الوقائع المذكورة أعلاه فإن المرجح أن تتضمن المراجعة الأمريكية لسياستها في أفغانستان الأمور التالية:

1- تسير هذه المراجعة باتجاه تبريد كبير للساحة الأفغانية، وحصر الوجود الأمريكي في قواعد عسكرية واستخدامها عند الخطر، وإظهار مهمتها وكأنها ضد "تنظيم الدولة"...

2- من المستبعد أن تُرسل أمريكا قوات عسكرية لغرض القتال وتصعيده، وإنما قد تُرسل قوات لفترة قصيرة ولكن ليست لغرض القتال وإنما كورقة مساومة تفاوضية كأن تقول أمريكا يمكننا "التنازل" بسحب هذه القوات الإضافية مقابل أن "تتنازل" طالبان وتقبل التفاوض لإيجاد حكم مشترك مع الحكومة الأفغانية، وبطبيعة الحال دون المساس بمصالح أمريكا.

3- ولتسهيل إغراء طالبان بالقبول فإن أمريكا ستعود إلى تنشيط الدور الباكستاني بأن تُظهر القيادة العسكرية الجديدة في باكستان مزيداً من اللين والتعاطف مع طالبان لدفعها للجلوس والمفاوضات مع الحكومة العميلة في كابول وإشراكها في النظام السياسي الأمريكي في أفغانستان.

سابعاً: وأخيراً فإننا نحذر من الركون إلى العملاء في باكستان أو الاطمئنان بما تبديه قيادتهم العسكرية من ليونة تجاه أفغانستان، فالواجب الاتعاظ من الماضي، فإن أمريكا ما كان لها أن تطأ أفغانستان لولا مساعدة عملائها في الحكم الباكستاني، وهذه السياسة الجديدة من الحكم الباكستاني تجاه طالبان ليست إلا مسرحية نسجتها أمريكا بنفسها من أجل إحكام المسرحية التي ليس لها هدف إلا إزاحة المخاطر عن حكمها العميل في أفغانستان دون تدخلها العسكري المكلف، أو بشيء قليل منه... فليس حكام باكستان الجدد إلا وجهاً آخراً ومكشوفاً لتلك الخطة الأمريكية، فتارةً تطلب أمريكا من أتباعها في باكستان التضييق على الجهاد الأفغاني وكسر شوكته، كما فعل سيئ الذكر راحيل في وزيرستان وفق خطة أوباما، والآن فإن رجالات الحكم الجدد يعملون لإغراء طالبان واحتوائها وفق خطة ترامب بعد أن فشلت سياسات أمريكا في دفعها بالقوة إلى طاولة المهالك "المفاوضات" كطريق لاستئصال ما لديها من تصميم على الجهاد. وهكذا فهم يحاولون دفعها للمفاوضات بالتقرب الباكستاني من باب التضليل والمخادعة، وإننا نحذر من الوقوع في فخاخ أمريكا وعملائها، أو الركون لهم ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾.

 

في الرابع والعشرين من ذي القعدة 1438هــ

الموافق 2017/8/16م

للمزيد من التفاصيل