الرئيسية - للبحث

 

جواب سؤال

آخر المستجدات السياسية على الساحة الليبية

السؤال:

ما يجري في ليبيا لافت للنظر، ففي الوقت الذي تجري فيه الأعمال العسكرية بشكل متصاعد، في الوقت نفسه تجري مفاوضات في فرنسا والجزائر والمغرب وفي ليبيا نفسها، فما تفسير ذلك؟ وهل يمكننا القول أن ما يجري من النقيضين، الأعمال العسكرية والمفاوضات، يجري نتيجة صراع أمريكي أوروبي في ليبيا؟ وهل من المتوقع تدخل عسكري بقرار من مجلس الأمن مثلاً؟ أو أنه مستبعد والمفاوضات ستستمر بين الأطراف لإيجاد حل؟ وهل يمكن أن تفضي المفاوضات إلى حل يرضي الأطراف المتصارعة؟ وجزاك الله خيرا.

الجواب:

أولاً: إن ليبيا منذ الحرب العالمية الثانية والإنجليز هم الذين يسوسونها، وبخاصة عندما حكمها القذافي، فجعلها خلال سنوات حكمه الأربعين تزخر بالسياسيين العملاء للإنجليز ويكاد يخلو الوسط السياسي حينذاك من عملاء أمريكا. وهكذا فلم يكن أمام الأمريكان حتى يتمكنوا من بسط نفوذهم في ليبيا وضرب النفوذ الأوروبي وخاصة الإنجليزي المسيطر على الحكم في ليبيا من بعد الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، ومن ثم السيطرة على الوضع والاستيلاء على الحكم في ليبيا، لم يكن بإمكانهم حتى يكون لهم قوى تعمل على الأرض، إلا أن يرسلوا عميلهم خليفة حفتر الذي كان يقيم عندهم لمدة تزيد عن عشرين عاما، يرسلوه إلى ليبيا بعد اشتعال الثورة ضد القذافي في محاولة لأن يصبح قائدا للثورة أو أحد قوادها المؤثرين، فحركوه ليبدأ تمردا في 14/2/2014 ضد النظام الجديد الذي كان للإنجليز السيطرة عليه باسم المؤتمر الوطني العام والحكومة، ويعمل على إسقاطهما. فلم يتمكن من ذلك مع أنه سيطر على مواقع عديدة. ومن ثم حاول الأمريكان بواسطة عميلهم حفتر تعطيل الانتخابات العامة التي جرت في 25/6/2014. وقد جرت الانتخابات في تاريخها... وفي 6/11/2014 أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في ليبيا قرارا ينص على "عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع الصادر في 11/3/2014 وكافة الآثار المترتبة عليه" ما يعني حل مجلس النواب وكل المؤسسات المنبثقة عنه. إلا أن أطرافا ليبية وإقليمية ودولية رفضت التعاطي مع قرار هذه المحكمة. وقد أصبح في ليبيا حكومتان وبرلمانان في طبرق وفي طرابلس، ويعترف دوليا وإقليميا بحكومة وبرلمان طبرق:

- حفتر يهيمن على برلمان وحكومة طبرق ولا يعبأ بها حتى إن رجاله احتجوا على رئيس الحكومة "عبد الله الثني" لأنه زار بنغازي دون استئذان من الثني! وقامت قوات تابعة لحفتر باعتراض طائرة تقل رئيس الوزراء عبد الله الثني من الهبوط في بنغازي 5/2/2015! ومن المعروف أن خلافات بين حفتر وبين الثني، فقد نقلت صفحة "بوابة أفريقيا الإخبارية" في 5/2/2015 عن مسؤولين ليبيين قولهم: (إن الخلافات بين رئيس الحكومة الليبية عبد الله الثني وهو رجل عسكري أيضا شغل في السابق منصب وزير الدفاع وبين قائد عملية الكرامة اللواء حفتر وصلت إلى شبه طريق مسدود رغم محاولات وساطة جرت أخيراً بين الطرفين لاحتواء التوتر الذي نشب في العلاقات بينهما العام الماضي بعدما اعتبر عبد الله الثني أن ما يقوم به حفتر بمثابة انقلاب عسكري.)، وكان ذلك عند تحرك حفتر في 14/2/2014، ومع أن الثني عاد فأيد حركة حفتر الثانية حين استأنفها في 16/5/2014 وسماها عملية الكرامة، إلا أن حفتر لم يصفُ بعد تجاه الثني! فحفتر يتحرك بنَفَس أمريكا على خطا السيسي على أمل أن يصبح رئيساً! وقد استطاع أن يفرض على البرلمان أن يعتمدوه قائداً عاماً للجيش الليبي برتبة فريق، ثم أقسم رسمياً في 9/3/2015 وكذلك تم تعيين اللواء عبد الرزاق الناظوري رئيساً للأركان وهو موالٍ لحفتر، وبذلك فإن حكومة طبرق تهيمن عليها أمريكا...

- وأما المؤتمر العام وحكومة طرابلس فزعيمها أبو سهمين ومجموعة حوله، وهم يسيرون مع أوروبا وبخاصة الإنجليز، ومع هذه المجموعة يوجد في المؤتمر رجال مسلمون بعيدون عن الإنجليز ولكن ينقصهم الوعي السياسي الكافي ما يجعل من السهل على رجال أوروبا أن يأخذوهم إلى الجهة التي يريدون! وبذلك فإن المؤتمر العام وحكومة طرابلس تهيمن عليها أوروبا، أي الإنجليز وشيء من فرنسا وبعض الشيء من إيطاليا...

وبذلك فإن الصراع موجود بين أوروبا وأمريكا في ليبيا، ولكنهم يتصارعون في غالب الأحيان بأدوات محلية! وقد سبق أن وضحنا هذا الصراع وكيف نشأ في جوابنا المؤرخ 3/6/2014 وهو منشور على صفحة الفيسبوك فمن أراد المزيد فليرجع إليه.

ثانياً: أما عن التدخل العسكري فإن أمريكا تفتقر إلى الوسط السياسي في ليبيا فجُلُّه من عملاء الإنجليز تقريباً ومن يدور حولهم أو يسير تحت مظلتهم من بعض الحركات الإسلامية التي لا تعي الألاعيب السياسية ونتائجها الوخيمة... ولذلك فإن اعتماد أمريكا هو على الأعمال العسكرية، فكان حفتر ثم دعمُه من مصر، بل إن طلب أوباما من الكونغرس تفويضه القيام بأعمال عسكرية في حالات، هذا الطلب لا يستبعد أن يكون موضوع ليبيا من مفرداته، فإن الوضع في ليبيا حرج، فقد ذكرت وكالة رويترز في 23/2/2015 أن أوباما بعث برسالة إلى الكونغرس يقول فيها: "إن الوضع في ليبيا ما زال يمثل تهديدا غير عادي واستثنائي للأمن والسياسة الخارجية للولايات المتحدة". يفهم من رسالة الرئيس الأمريكي إلى الكونغرس أن وضع أمريكا في ليبيا حرج أو في خطر، أي أن أمريكا ليست في موقع قوي في ليبيا وأن عملاءها ليسوا أقوياء، وهم يتمثلون بحركة حفتر ليس أكثر، وقد طردوا من العاصمة طرابلس ولم يستطيعوا أن يعودوا إليها رغم مرور أشهر عديدة، ولم يتمكنوا من السيطرة على بنغازي. ولذلك فإن التدخل العسكري يخدم مصالح أمريكا وينقذ عملاءها ليستمروا في خدمتها. وعليه فعندما حدثت عملية قتل الأقباط في هذه الظروف عملت مصر على استغلالها فسارعت محاولة أخذ تفويض دولي للتدخل في ليبيا بحجة محاربة الإرهاب والانتقام لمقتل مواطنيها، وقد بث التدخل العسكري المصري في 16/2/2015 روحاً جديدة في حفتر وأتباعه، وعادت أنفاسهم تقوى، وبدأت آفاق الحل السياسي بالتراجع، إلا أن أوروبا وقفت بقوة ضد التدخل العسكري في الأزمة حيث سارعت بريطانيا للوقوف في وجه التدخل العسكري المصري في ليبيا، فقد (أكدت الجزائر وبريطانيا يوم الخميس 19 شباط/فبراير أنهما تؤيدان حلا سياسيا وليس عسكريا في ليبيا، وذلك في تصريح مشترك لوزيري خارجية البلدين في الجزائر العاصمة. وقال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند في مؤتمر صحافي مع نظيره الجزائري رمطان لعمامرة "لا نعتقد أن عملا عسكريا يمكن أن يؤدي إلى تسوية المشكلة في ليبيا" من جانبه أوضح الوزير الجزائري "نحرص، بصفتنا جيران ليبيا على أن نكون جزءا من الحل وليس من المشكلة") (روسيا اليوم 19/2/2015).

وقد كانت بريطانيا على رأس المعارضين في مجلس الأمن للتدخل العسكري أو بتسليح حكومة طبرق وجيش حفتر فقد صرح إبراهيم الدباشي مندوب ليبيا في الأمم المتحدة لصحيفة الشرق الأوسط (أن بعض أعضاء مجلس الأمن الدولي بقيادة بريطانيا طلبوا من فريق الخبراء إرسال رسالة ليبرروا معارضتهم الموافقة على صفقة رفع الحظر على السلاح للجيش الليبي، موضحا أن هذه محاولة لإزالة الإحراج عنهم" وقال "بريطانيا لا تريد للجيش الليبي أن يحسم الأمر مع الإرهابيين والميليشيات المسيطرة على العاصمة طرابلس.. هذه لعبة مكشوفة") (الشرق الأوسط 7/3/2015).كما ظهر انسجام أوروبا مع موقف بريطانيا برفض التدخل العسكري المصري حتى إن إيطاليا التي كان وزير داخليتها آنجيلينو آلفانود إرضاءً لأمريكا قد دعا إلى «تدخّل عاجل عبر عملية تحت قيادة الأمم المتّحدة» (الحياة الثلاثاء، ١٧ شباط/فبراير ٢٠١٥)، عاد فتراجع عن تصريحه نتيجة الحملة الأوروبية ضد التدخل العسكري، فقد (اعتبر وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش ونظيره الإيطالي باولو جنتيلوني أن إنهاء الأزمة في ليبيا يمر عبر "المصالحة" بين الميليشيات المتنافسة. وأكدا أن "الحل الأفضل ليس الحل العسكري بل الحل السياسي". وأوضح وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش في مؤتمر صحافي مع نظيره الإيطالي باولو جنتيلوني، الذي يقوم بزيارة إلى تونس، "اتفقنا على أن الحل الأفضل ليس الحل العسكري بل الحل السياسي".) (france24.com25/2/2015)...

وبالإضافة إلى هذه الهجمة الشرسة من أوروبا ضد التدخل العسكري، فكذلك أرسلت أوروبا إشارات أن ليبيا مركز مهم أمنياً لأوروبا ما يوحي بأنها ستكون أسرع إلى التدخل إذا تدخلت أمريكا، فقد نقلت قناة "روسيا اليوم" في 06/03/2015م، عن موغيريني قولها بعد وصولها إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا اليوم، قولها (إن الموضوع الرئيسي المطروح في هذا الاجتماع هو الوضع في ليبيا" مؤكدة أن أمن ليبيا قضية تهم الاتحاد الأوروبي ككل وليس فقط الدول الجنوبية له)... وبطبيعة الحال فهذا سيفسد ثمرة التدخل الأمريكي إن حصل... لهذين الأمرين تراجعت أمريكا عن موقفها بدعم الحل العسكري، ومن ثم تراجعت مصر عن مشروع قرارها هي وليبيا أمام مجلس الأمن الذي سبق أن تم تقديمه في 18/02/2015م، حيث كان يتضمن التدخل العسكري الدولي. وهكذا استمرت المشاورات في مجلس الأمن بين أخذ ورد إلى 27/03/2015م حيث صدر قرار مجلس الأمن رقم "2214" وقد خلا من النص على التدخل العسكري، بل ركز على محاربة الإرهاب فأرضى أمريكا، وفي الوقت نفسه أكد على التفاوض لإيجاد حل سياسي فأرضى أوروبا، ومما جاء فيه من بنود عن هذين الأمرين:

(1-يدين جميع الأعمال الإرهابية...ويشدد في هذا الصدد على اتباع نهج شامل لمكافحة تلك الأعمال بشكل كامل.

3-يحث الدول الأعضاء على أن تتصدى بجميع الوسائل ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي للأخطار التي تهدد السلام والأمن الدوليين من جراء الأعمال الإرهابية..

11-يعترف بالأدوار المهمة والتي يضطلع بها كل من الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والبلدان المجاورة لليبيا فيما يتعلق بإيجاد حل سلمي للأزمة التي تشهدها ليبيا...

12-يعرب عن دعمه للحوار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة بين حكومة ليبيا وجميع الأطراف الليبية التي تنبذ العنف...)

وهكذا فقد صرف النظر عن التدخل العسكري للاعتبارات المذكورة أعلاه، وأصبح التركيز على المفاوضات السياسية.

ثالثاً: بعد صرف النظر عن التدخل العسكري في قرار مجلس الأمن، فقد وافقت أمريكا وأوروبا على القرار بالعمل على الحل التفاوضي لإيجاد حل سياسي للأزمة كل على طريقته! أما أوروبا فتريد من المفاوضات أن تنتج حلاً سياسياً بالسرعة الممكنة لأن الوسط السياسي في غالبه معها؛ فأي حل يديره الوسط السياسي سيكون في صالحها، وأما أمريكا فهي قد وافقت على المفاوضات لأنها لم تستطع أن توجد مدخلاً للتدخل العسكري لا منها ولا من النظام المصري، ولأنها تفتقر إلى الوسط السياسي في ليبيا، ولهذا فهي ستعمل على ابتداع أساليب للتعطيل، ومن ثم إعطاء مهلة إلى حفتر لعله يوجد سلطة له ولو في جزء من ليبيا لتشكيل وسط سياسي جديد يساعده في أية مفاوضات لاحقة إن عجز عن حسم الأمر عسكرياً، وذلك لأن حفتر لا يحمل علاقة حسنة مع كثير من أعضاء مجلس النواب في طبرق فمنهم من هو قادم من الوسط السياسي القديم... ولذلك فإن أمريكا تريد تعويق أية نتائج للمفاوضات إلى أن تستطيع تشكيل وسط سياسي مؤيد لها وله فاعلية، أي أن المهم عندها هو تعطيل المفاوضات ما أمكن، حتى إذا اقتربت المفاوضات من الوصول إلى حل فإنها تفسدها بأعمال عسكرية كغارات من الطيران أو أن يطلب وفد طبرق تأجيلاً أو مهلة... أو استعمال المضايقة الاقتصادية مثلما حدث مؤخراً عندما طلبت حكومة طبرق من الشركة الوطنية للنفط عدم تحويل عائدات النفط إلى البنك المركزي (مصر العربية - عن نيويورك تايمز 06 نيسان/أبريل 2015) وذكرت الصحيفة في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني أن هذا القرار ينذر بعواقب وخيمة... وجميع هذه الأمور تؤثر سلبياً في استمرار المفاوضات بشكل منتج.

إن أوروبا تدرك هذا الأمر بأن أمريكا تعمل على إفشال المفاوضات، ولذلك فقد اختارت مبعوثاً موثوقاً لديها وهو برناردينو ليون، وهو مبعوث أوروبي في الأصل، فهو مختلف عن مبعوثي الأمم المتحدة في القضايا الأخرى حيث يكونون في العادة تابعين لأمريكا كمبعوثين للأمين العام للأمم المتحدة كجمال بن عمر في اليمن.

لقد بدأ برناردينو ليون يحث الخُطا حتى يتوصل إلى الحل السياسي وكان همه أن ينجز مهمته في مدة انتدابه الأولى التي كان مقرراً لها أن تنتهي في نهاية آذار 2015، قبل أن تمدد له بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2213، حتى 15 أيلول/سبتمبر 2015. لقد كان ليون يشرف على مفاوضات مكثفة بين أطراف ليبية في المغرب والجزائر وقبلهما في ليبيا وجنيف للتوصل إلى حل ينهي أزمة الحكم في ليبيا، وكان في عجلة من أمره لينهيها في المدة الأولى، وقد بدأت في جنيف وانتقلت إلى ليبيا ومن ثم إلى المغرب والجزائر ومن ثم عادت لتعقد في المغرب. وفي جولة مفاوضات المغرب يوم الخميس 12/3/2015 طلب أعضاء برلمان طبرق تأجيل استئناف المشاورات السياسية بين الأطراف الليبية لأسبوع آخر أي إلى يوم الخميس 19/3/2015 من أجل مزيد من التشاور وقال محمد الشريف أحد أعضاء برلمان طبرق "نريد مهلة أسبوع على الأقل وبعدها يعود الفرقاء وقد تمت دراسة هذه الأوراق" وأضاف إن "المفاوضات حول الحكومة الوطنية والترتيبات الأمنية ولجنة الدستور لم تكتمل". وقد اجتمع رئيس بعثة الأمم المتحدة برناردينو ليون مع أعضاء المؤتمر الوطني في طرابلس الغرب وبعض أعضاء برلمان طبرق، وهؤلاء أصروا على طلب التأجيل المذكور، فوافق ليون على تأجيل المفاوضات التي تستضيفها المغرب بين الأطراف الليبية المشاركة إلى يوم الخميس 19/3/2015 كفترة حاسمة للتوصل إلى حكومة الوحدة الوطنية وإخراج ليبيا من أزمتها. وقد ركز ليون على أهمية الخروج بحل سياسي في أقرب وقت ممكن "مؤكداً أن الأمم المتحدة ترى أن الحل الوحيد في ليبيا هو الحل السياسي، وليس هناك حل عسكري". "لأن ليبيا لن يكون أمامها وقت، فالوضع يزداد تأزما على الأرض". (رايو سوا الأمريكية 13/3/2015)، وكذلك صدر في 16/3/2015 بيان مشترك عن الاتحاد الأوروبي يحذر من فشل المفاوضات جاء فيه: "إن الفشل في التوصل لاتفاق سياسي سيعرض وحدة ليبيا للخطر.. بمجرد التوصل لاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وترتيبات أمنية ذات صلة سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد لتعزيز دعمه لليبيا" (وكالة الأنباء الألمانية 16/3/2015). وهذا يظهر مدى اهتمام أوروبا باستمرار المفاوضات في الوقت الذي كانت فيه أمريكا وحفتر لا تهمهم المفاوضات بقدر ما يهمهم أن يحققوا مكاسب على الأرض ليتمكنوا من أن يكونوا طرفا في المفاوضات ويفرضوا أنفسهم بقوة فيها.

ولذلك كان حفتر في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات مستمراً في أعماله العسكرية، فقد صرح لوكالة فرانس برس في 17/3/2015 أي قبل الموعد المقترح لاستئناف المفاوضات بيومين، صرح قائلاً: "ستنتهي العمليات في مدينة بنغازي قبل منتصف الشهر المقبل"، أي أنه غير معني بالمفاوضات الحالية ولا إلى التوصل إلى حل ولا إلى تشكيل حكومة بل مستمر في أعماله العسكرية... وواضح من ذلك كما قلنا آنفاً أن أوروبا مهتمة بنجاح المفاوضات وتحذر من فشلها، وأمريكا بلسان حفتر غير مهتمة بها كأن الأمر لا يعنيها! وقد انعكس هذا على سير المفاوضات، فقد تأجل الموعد الذي كان مقرراً للمحادثات في المغرب بتاريخ 19/3/2015 إلى 20/3/2015 وهكذا انعقاد وتأجيل...! وفي يوم الخميس 26/3/2015 نشر موقع "سكاي نيوز عربية" ما يلي: (تختتم أطراف الحوار الليبي مساء الخميس الجولة الثالثة في منتجع الصخيرات السياحي المغربي، على أن تستأنف بعد عشرة أيام بحسب تأكيد مسؤول في برلمان طبرق المعترف به دوليا)، وواضح من كل ذلك التأجيل والمماطلة! ومع ذلك فلم تنعقد بعد تلك العشرة أيام! وعلى إثر ذلك أبدى الاتحاد الأوروبي قلقه، فقد نشر موقع "بوابة الوسط" بتاريخ 10/4/2015 تحت عنوان: "أوروبا تُغيث ليون" ما يلي: (وفي مؤشر على سعي واضح لنفخ الروح في مهمة ليون المتعثرة قالت الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني، في بيان نشره مكتبها في بروكسل اليوم الجمعة، ضمنيا إنها تتوقع استئناف الحوار الليبي في غضون الأيام المقبلة لكن دون تحديد أي موعد محدد... وفي دعم واضح لليون حذرت موغيريني من وصفتهم بـ«الذين يواصلون العمل على تخريب المفاوضات الليبية»... ويخشى الاتحاد الأوروبي من أنَّ تقدُّمَ الجيش الليبي في غرب البلاد قد يولد معادلة قوة جديدة على الأرض تجعل من الدور الأوروبي في معالجة الأزمة «دور لا فائدة منه»)، وواضح من كل ذلك أن موغيريني تشير إلى أمريكا وحفتر والأتباع...

وهكذا فإن المفاوضات السياسية الجارية تتجاذبها أطراف مختلفة في المصالح والأهداف...

رابعاً: أما المتوقع من هذه المفاوضات فهي ليست أكثر من لعب في الوقت الضائع، يقوم ويقعد، إلى أن تتفق الدول التي تحرك الكرة في الملعب، عن قرب أو عن بعد، ولا يهم تلك الدول أن يطول الشوط ويطول... ما دامت الدماء التي تسفك، والمصائب التي تكون هي تسيل من المسلمين وتقع على رؤوسهم. إن الكفار المستعمرين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأية قضية للمسلمين تقع في أيديهم يقتلونها ذبحاً و"سحلاً"، فهم كما قال القوي العزيز ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وهكذا فإن قضية ليبيا ما دامت بأيدي الكفار المستعمرين وأشياعهم فسوف تستمر الأزمة إلى أن يتغلب أحد اللاعبين الدوليين على الآخر أي أن تتغلب أمريكا أو أوروبا أو ترجح كفة أحدهما فيفرض رأيه على الآخر أو أن يتفقا على حل يكون لأمريكا فيه حصة تعادل حصة أوروبا على الأقل، ولن تنال ليبيا ولا أهل ليبيا من الظالمين الكفرة أيَّ شيءٍ من شيءٍ من خير.

إن قضايا المسلمين تحل بأيدي المسلمين وليس بأيدي أعدائهم، والحل سهل ميسور لمن يسره الله له، سلاحه الإخلاص لله في السر والعلن، والصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والفعل، وعندها سيرى المتفاوضون أنهم أمام بلد إسلامي عريق منذ الفتح الإسلامي على عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجميع أهله مسلمون، وحل قضاياه في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دونما أية صلة مع الكفار المستعمرين ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

إن الأمة مليئة بالمفكرين الواعين، الأتقياء الأنقياء فالجأوا إليهم، ولا تلجأوا إلى أعداء الله ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

وأختم بما سبق أن قلناه في جوابنا السابق: إنه لمن المؤلم أن بلاد المسلمين التي كانت منطلق الفتوحات ونشر الإسلام الذي يحمل العدل والخير لربوع العالم... أصبحت هذه البلاد ميدان قتال يتسابق فيه الكفار المستعمرون على قتلنا ونهب ثرواتنا... يضحكون بملء أفواههم عند كل قطرة دم تسيل منا، ليس بأيديهم فحسب، بل كذلك بأيدي عملائهم من أبناء جلدتنا!

إن الكفار المستعمرين هم أعداؤنا فليس غريباً أن يبذلوا الوسع في قتلنا، أما أن يصطف معهم فرقاء ليبيون، يوالي بعضهم أمريكا، وبعضهم يوالي أوروبا، ثم يقتتلون فيما بينهم، قتالاً ليس من أجل الإسلام وإعلاء كلمة الله، بل لمصالح الكفار المستعمرين... فإنها لإحدى الكبر، فاقتتال المسلمين فيما بينهم جريمة كبرى في الإسلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وقَالَ الرَسُولُ صلى الله عليه وسلم: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». أخرجه النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

وخاتمة الختام فإن ليبيا لا تخلو من فريق ثالث، صادق مخلص، همه أن يعيد الخير والعدل إلى ليبيا بتحكيم الإسلام في الحياة والدولة والمجتمع، ونحن نأمل من هذا الفريق أن يطهر ليبيا من كل كافر مستعمر ومن كل خائن عميل... وتعود ليبيا إلى أصلها وفصلها: منطلق الفاتحين، وبلد حفظة القرآن الكريم... قلعة إسلامية حارسة للإسلام ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

الثاني والعشرون من جمادى الآخرة 1436هـ

11/4/2015م

للمزيد من التفاصيل