الرئيسية - للبحث

تعليق صحفي

قرارات ودعوات الغنوشي الأخيرة

هرطقات لن تنطلي على الأمة وأبنائها المخلصين

أعلن زعيم حزب "حركة النهضة" التونسية راشد الغنوشي، مساء الجمعة 20 أيار/مايو أنّ حركة النهضة "حريصة" على فصل الدين عن الدولة، في خطوة غير مسبوقة إلى حد بعيد في أوساط تيارات الإسلام السياسي التي تنتمي إليها النهضة، وفي تأكيد على ترك الحزب لتيارات الإسلام السياسي وتحوله إلى حزب مدني أسوة بغيره من الأحزاب السياسية التونسية، ومؤكدا ولاء الحزب لتونس أولا وأخيرا.

وشدد الغنوشي، في كلمة ألقاها في افتتاح المؤتمر العاشر للحركة "على النأي بالدين عن المعارك السياسية والتحييد الكامل للمساجد عن خصومات السياسة وعن التوظيف الحزبي حتى تكون المساجد جامعة لا مفرقة".

ومضى الغنوشي يقول "إنّ الحركة تكرس بذلك التمايز الواضح بين المسلمين الديمقراطيين الذين هم نحن وبين تيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها ظلماً وزوراً إلى الإسلام". البي بي سي العربية.

لا شك أنّ ما أقدم عليه الغنوشي ينطوي على نسبة عالية من التضليل والزيغ عن الحق وهو لا يخدم إلا الغرب ومخططاته للحيلولة دون عودة الإسلام إلى معترك الحياة في دولة تحمله إلى العالم أجمع بعد أن تنهي حقبة الاستعمار التي طالت على الأمة الإسلامية وبلادها.

فمن جانب، يناقض الغنوشي بديهية أن الإسلام دين سياسي، أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليسوس به الناس ويحكم به العالم، كما هو عمل الأنبياء كلهم، فعن رسول اللهصلى الله عليه وسلمأنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، ومهمة الخلفاء من بعد الأنبياء أن يسوسوا الناس ويرعوا شؤونهم بالإسلام، وهذا هو معنى السياسة الأصيل.

والسياسة بهذا المعنى تعني أن الخيار الآخر هو ترك الإسلام وترك رعاية شؤون الناس بأحكامه وهو العلمانية والكفر والعياذ بالله، فإما أن ينقاد الناس ويحكموا ويساسوا بالإسلام، بأحكام الله وشرعه، وإما أن يساسوا بشرعة الطاغوت وما تمليه عقول البشر وهذه هي العلمانية التي جعلت من أتباعها عبيد أهوائهم بدلا من رب العالمين، مصداقا لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾.

ومن جانب آخر فإن الغنوشي يريد أن يعيد تسويق بضاعة الغرب التي كسدت وبان عوارها، وهي الديمقراطية التي تقوم على محاربة الله في حقه في أن تكون الحاكمية له، والسيادة لشرعه، لتضع بدلا منها عقول المشرعين أو قرارات المستعمرين. وهو ما يناقض صريح القرآن: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، وفوق ذلك فإنه وبعد أن أدركت الأمة أن الديمقراطية التي روج لها الغرب في بلاد المسلمين تعني دوام الاستعمار وبقاء بلادنا مزرعة للغرب، وهي عينها ديمقراطية هتك أعراض المسلمين والمسلمات في أبو غريب وغوانتنامو وباجرام، وسفك دماء أطفال المسلمين ونسائهم في الشام واليمن وليبيا، واحتلال بلادهم في العراق وأفغانستان وفلسطين، بعد أن أدرك المسلمون هذه الحقيقة يأتي الغنوشي ليعيد تسويق المنتوجات الفاسدة التي أزكمت رائحتها النتنة أنوف المسلمين!! فأي خطيئة هذه يا غنوشي؟!

ومن جانب ثالث فإن الغنوشي يعيد إحياء النفس الوطنية والولاءات الكاذبة، جاعلا ولاء حزبه لتونس أولا وأخيرا بدلا من الولاء للإسلام ولله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو بذلك يجعل قول الله تعالى وراء ظهره: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

ومن جانب رابع، يعزف الغنوشي على وتر الخصومات والمعارك السياسية، وكأن الإسلام - دين الرحمة والتوحيد والوحدة - هو سبب تلك الخصومات والمعارك السياسية، مع أنّ الإسلام هو الذي يجمع الأحمر والأسود والعرب والعجم، وهو الذي صهر شعوب أمة عظيمة قرونا من الزمان في بوتقة وحافظة لم يشهد لها التاريخ مثالا، ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾، فهل يكون الرد على أولئك الشذاذ الشرذمة من عملاء الغرب المناهضين للإسلام هو التخلي عن الإسلام وتركه جانبا خشية المنازعات، بدلا من أطرهم على الحق أطرا، وسوقهم إلى حظيرة الحق والإسلام؟!!

وأخيرا فإن الغنوشي بخطوته هذه إنما يفتح الباب أمام من يريد أن يتبرأ من الإسلام كنظام حكم وحياة ليلحق به، حتى يفتح المجال واسعا أمام الغرب ليعتبر كل من لا يحذو حذوه إرهابيا يستحق الاستئصال والملاحقة والحرب.

وختاما، فإنّ عزاءنا أنّ الله معنا، وأنّ في الأمة رجالا يصلون ليلهم بنهارهم من أجل عودة الإسلام نظام حكم وحياة، وأن وعياً دب في أوصال الأمة لن يقدر الغرب وأولياؤه على إرجاعه إلى الوراء ولو جمعوا له كيد الشرق والغرب.