الخميس 03 جمادى الأولى، 1432هـ
07-04-2011
 رقم الإصدار:ح.ت.ل 10/32
 
سجون لبنان وصمة عار على جبين حكّامه جميعًا
 
نص الكلمة التي ألقاها رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير – ولاية لبنان أحمد القصص
في المؤتمر الصحافي الذي عقده في بيروت الخميس 7/4/2011
 
من جديد تطلّ مأساة سجن رومية وسائر السجون في لبنان برأسها، ولكن على نحو أعنف وأكثر مأساوية هذه المرّة، إذ سقط الكثير من الضحايا من السجناء بين قتيل وجريح. ولكنّ اللافت هذه المرّة أنّ المكايدة السياسية دخلت على خطّ هذه المأساة الإنسانية والفضيحة السياسية لتجعلها كسائر القضايا سلعة في بازار صراع الزعامات والعصابات الحاكمة. وعلى الرغم من اعتراف أركان السلطة منذ عهود متعاقبة بأزمة السجون، إلاّ أن هذه الأزمة لم تلق أيّ اهتمام جادّ حتّى يومنا هذا. والجميع يعترف أنّ هذه الأزمة ذات وجوه متعدّدة. فمن وجوهها اكتظاظ السجون بإيداع أضعاف ما تحتمله من عدد السجناء فيها، وبالتالي معاناة السجناء من أوضاع معاشية لا تليق بالبهائم فضلاً عن الإنسان الذي جعله الله تعالى سيّد المخلوقات، ومنها تأخير المحاكمات بحيث بلغ الموقوفون من غير المحكوم عليهم أضعاف أولئك الذين صدرت بحقّهم الأحكام، ومنها إبقاء المئات مـن المساجين غير اللبنانيين - ومعظمهم من الأقطار العربية- في السجون شهورًا ظلمًا وعدوانًا بعد انتهاء مدّة عقوبتهم، ومنها سريان ظاهرة الفساد المتفشّي في مؤسّسات الدولة بين عناصر الأمن المولجين إدارة السجون، بل استفحاله بينهم لما تحويه السجون من إغراءات الفساد والانحراف، ومنها انتشار المخدِّرات داخل السجون بتواطؤ من الكثير من عناصر الأمن، ما حوّل السجون من وسيلة لزجر الجناة عن الجريمة إلى مصنع للمجرمين والمنحرفين، عدا عن كونها مستودعًا للسجناء السياسيين، ومعظمهم من الشبّان الإسلاميين الذين اتُخذوا "رهائن" ليكونوا قرابين للسيد الأميركي طمعًا بشهادة حسن السلوك في "مكافحة الإرهاب"!... وحين تسأل السياسيين والقضائيين عن سبب ترك مئات الإسلاميين أربع سنوات في السجون دون محاكمة، تأتيك الإجابة بكلّ دم بارد وعين وقحة: إنّ محاكمتهم تنتظر بناء قاعة مناسبة لعددهم الكبير! ويبدو أنّ على هؤلاء المساكين الذين سُجن الكثير منهم ظلمًا وعدوانًا أن يقضوا شطر عمرهم أو ربما أكثر بانتظار بناء هذه القاعة العملاقة!
 
 إنّ المدانين في هذه الكوارث والفضائح تورّطًا أو مساهمةً أو تقصيرًا كُثُر، ابتداءً من رئيس الجمهورية، ومرورًا برئيس الحكومة وبالوزراء المعنيّين وبسائر الوزراء باعتبارهم مجلس حكم جماعيّا، وبمجلس النوّاب رئاسةً وأعضاءً، وصولاً إلى الجهازين القضائي والأمني.
 
أمّا رئيسا الجمهورية والحكومة، فلأنّ رئاسة السلطة التنفيذية موزّعة بينهما وفق الدستور اللبناني، ولكلّ منهما دور في وضع بنود جدول جلسات مجلس الوزراء، ومن واجب كلّ منهما أن يبادر بأقصى سرعة إلى معالجة مأساة إنسانية بهذا الحجم وهذه الخطورة.
 
وأمّا الوزراء المختصّون وعلى رأسهم وزيرا الداخلية والعدل، فإنّهم يتحمّلون مسؤولية مباشرة، إذ تدخل هذه المأساة الفضيحة ضمن اختصاصهم، وكلّ ما تحدّثوا به عن مشاريع قوانين وخطط ومطالبات لا يعفيهم من المسؤولية، إذ إنّ مشكلة بهذه الخطورة تستحقّ أن تكون لها الأولوية على كثير من المشاريع والقضايا وأن تستنفر لها كلّ الإمكانيات لحلّها بأقصى سرعة.
وأمّا سائر الوزراء، فهم غير مُعفَون من المسؤولية، إذ بإمكان أيّ من الوزراء طرح قضية بهذه الأهمّية على مجلس الوزراء والضغط من أجلها.
 
وأمّا مجلس النواب، فمسؤوليته تكمن في إعراضه عن محاسبة السلطة التنفيذية على هذا الظلم والإهمال الفاضحين والمخزيين، والتفات رئيسه وأعضائه إلى قضايا السجال والمكاسرة بين الأفرقاء، ليرجّح كلّ منهم كفّة فريقه الذي أوصله إلى الكرسيّ، وليقرّوا من القوانين ما يبتزّون به أصوات الناخبين. ومن سوء حظ هؤلاء المساجين أنّ معظمهم لا يحقّ لهم الاقتراع ولا دور لهم في حشد الأصوات الناخبة، وهم بالتالي أرقام مهملة لا قيمة لها في نظر هؤلاء اللئام من صيّادي الأصوات. كما لا قيمة لها في نظر أسيادهم من زعماء الطوائف.
 
 وأمّا عن الجهاز القضائي، فليس خافيًا على أحد تفشّي الفساد فيه وتوزّع ولائه بين هذا الفريق وذاك. ولطالما سمعنا خلال لقاءاتنا بالسياسين الحاكمين: هذا القاضي ليس عندنا وإنّما هو عند الفريق الآخر، بل بات هذا الكلام يقال على شاشات الفضائيات بصريح العبارة! وكلّنا شهد بأمّ عينيه كيف خرج بعض مشاهير الموقوفين من السجن بعد توقيفهم بساعات حين تبنّتهم قوى سياسية نافذة! ولَكَم صرّح موقوفون أمام القضاة بأنّ اعترافاتهم انتُزعت منهم تحت التعذيب، دون أن تجد تصريحاتهم هذه آذانًا صاغية! فأودعوا السجون دون أيّ وجه حقّ. ولَكَم أُجِّلت أحكام قضائية دون أيّ مسوّغ لا قانوني ولا منطقي ولا خلقي. ويأتي البرهان من أولئك الذين عُذِّبوا وسُجنوا سنين قبل أن يحاكموا، وحين بُتَّت أحكامهم صدر بحقّهم حكم البراءة. ثمّ لا يُسمح لهم بالتظلّم أمام أيّ جهاز قضائي لأنّ توقيفهم الظالم كان وفق القانون اللبناني!
 
وأمّا عن الأجهزة الأمنية، فحدِّث ولا حرج عن دورها في انتزاع الاعترافات تحت التعذيب وتركيبها التهم والملفّات والاستجوابات المختلقة ومن ثَمّ تحويل المتّهمين إلى القضاء دون وجه حقّ. ناهيك عن ضلوع الكثير من عناصرها في فساد السجون ومآسيها.
 
يا حكّام لبنان، أيّها الظالمون: ألم تتّعظوا حتّى الآن من إخوانكم طواغيت العرب الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فانهارت عروشهم تحت أقدام الذين استضعفوهم وساموهم سوء العذاب، ولم تغن عنهم أجهزتهم ولا بلطجيّتهم من الله ولا من عباده شيئًا؟! إلام ستبقون سادرين في غيّكم لا ترعوون عن ظلم الناس وإهدار حقوقهم ودوس كراماتهم؟! إنّ مشهد سجن رومية وحده كافٍ ليطبع على جباهكم وصمة عار يسجّلها عليكم التاريخ ويحاسبكم الله تعالى عليها يوم القيامة، يوم يقول أحدكم: (ما أَغنَى عَنِّي مَالِيَه، هَلَكَ عَنِّي سُلطَانِيَه).
 
يا أهل لبنان: هذا بعض ما جلبه عليكم نظامكم العلماني-الطائفي المشؤوم. فالعلمانية فصلت الحكم والحاكم عن مراعاة رضوان الله واتّقاء عقابه، فلم يرتدعوا عن ظلم الناس. والطائفية جعلت أكبر همّ زعمائكم ركوب أكتافكم لا رعاية شؤون الناس، وجعلتكم تنقادون وراء هؤلاء الظالمين على ظلمهم! فهلاّ أعدتم النظر في دأبهم على ظلمكم والمتاجرة بكم، وفي دأبكم على منحهم ولاءكم رخيصًا لهم؟!
 
لو التفت الحكّام والمحكومون إلى سنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بدلًا من العلمانية الجاحدة، لوجدوا فيهما ما يلي:
ففي مسؤولية الراعي عن الرعية، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَاللأمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ » (رواه البخاري). وقال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (رواه البخاري).
 
وفي حرمة الإنسان وكرامته وصيانة عرضه وماله، قال عليه الصلاة والسلام: «إنّ الله يعذِّب الذين يعذِّبون الناس في الدنيا» (رواه مسلم). وقال عليه الصلاة والسلام: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس…» (رواه مسلم). كما أنّ الإسلام حرّم الاعتداء على حُرُمات الناس وكراماتهم وأموالهم وأعراضهم وهتك حُرمات بيوتهم. قال عليه الصلاة والسلام وهو يطوف حول الكعبة: «ما أطيَبَك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمّد بيده لحرمةُ المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك، مالهِ دمهِ، وأن لا نَظُنَّ به إلاّ خيرًا» (رواه ابن ماجة).
 
وفي تحريم العقوبة دون بيّنة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليقتصّ منه» (أخرجه أبو يعلى). وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذلك وهو حاكم، وهو يعني: من عاقبته دون حقٍ فليقتصّ منّي. وفي امرأة دلّت الشبهات القويّة على ارتكابها الفاحشة، قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة لرجمتها» (متفق عليه)، وهذا يعني أنّه لم يرجمها لعدم وجود بيّنة مع وجود شبهة فيها. فهذان دليلان على أنّ الحاكم لا يجوز له أن يوقع عقوبة على أحد من الرعيّة إلاّ بعد أن يرتكب ذنبًا نصّ الشرع على أنّه ذنب، وبعد أن يثبت ارتكابه هذا الذنب أمام قاضٍ له صلاحية القضاء في مجلس قضاء. وإذا جاز للحاكم أن يحبس المتّهم بذنب قبل ثبوت التهمة ريثما يقدّم للمحاكمة للبتّ في أمرها، فإنّ هذا الحبس لا بدّ أن يكون مدّة محدّدة وأن تكون هذه المدّة قصيرة ، ولا يصحّ أن يحبسه من غير تحديد مدّة كما يفعل القضاء في لبنان، ، ودليل ذلك ما روي من «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حبس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثمّ خلّى عنه» (رواه البيهقي)، علمًا بأنّ هذا الحبس ليس عقوبة وإنّـما هو حبس استظهار لينكشف به بعض ما وراءه.
 
أيّها الناس: هذا هدي الإسلام، وذاك صنيع دولة العلمانية والطائفية. (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
 
للمزيد من التفاصيل